سندريلا: الوجه الحقيقي للفتاة الانهزامية

سندريلا: الوجه الحقيقي للفتاة الانهزامية

بقلم: هديل الشامي

================

أمنيات زائفة عاشتها الفتيات على مر السنين، وكبرت بداخلهن مفاهيمٌ مغلوطة عن الحب الحقيقي والعيش الرغيد، فقد شكلت ثقافة الأميرات جزءً مهماً من العالم الخيالي للفتيات الصغيرات، ولطالما بحثن عن حياة مماثلة لحياتها غير الواقعية أصلاً.

من هذا المنطلق؛ علينا النظر في هذه الحكايات الخيالية الجذابة المبهرة، والنظر في خطورة محتواها الذي أثر ومازال يؤثر على تكوين شخصية فتياتنا الصغيرات.

شخصية ساندريلا التي تمثل المحور الأساسي في الحكاية الخيالية والتي تحمل العبرة للقارئ فتتأثر بها صفاته وأفعاله، نجد أنها لم تتجاوز حد الانهزامية والخنوع.

محيط عاشت به سندريلا الفتاة الطيبة حد الغباء، لا يمت لعالم الواقع بصلة، وحياةٌ لم تصنع فيها أي انجاز أو قيمة، ولم تحاول حتى الثورة على الواقع المؤلم الذي عاشته، بل ارتضت أن تكون مسلوبة الإرادة غير قادرةٍ على التغيير.

فبينما كانت الظروف تعاند الفتاة الطيبة الجميلة “سندريلا” كما ظهرت في القصة، والظلم غير المحتمل من زوجة الأب وابنتيها المتطلبتين القبيحتين الغيورتين، كيف كانت ردة فعلها وما الطريقة التي تجاوزت بها مشكلتها ومعاناتها؟

خيار الاستسلام والخضوع للظروف غير الواقعية التي مرت بها هو الخيار الذي ارتضته لنفسها، ولم تحاول الخروج من ذلك الذل والعبودية.

وحدها الحلول السحرية الخارقة للجنية الطيبة هي التي منحت الفتاة الانهزامية الخانعة الخلاص، ولكن حتى تلك الحلول الخارقة لم تكن تحمل سوى معانٍ بغيضة، فاليقطينة التي تتحول لعربة خارقة والفئران الذين تحولوا لأحصنة لا يحملون سوى معنى الثراء الفاحش والنسب الرفيع الزائف، ثوب ساندريلا المبهر والرقصة التي لم تدم بضع دقائق… هل كانا كافيان ليختار أمير البلاد زوجته التي ستحمل معه هم السلطة والبلاد والعباد؟

وماذا لو توقفنا عند ذلك الحذاء الزجاجي الذي يجعل فرسان المملكة يجوبون شرقها وغربها بحثاً عن الأميرة المزعومة، ذلك الحذاء الذي يحمله الأمير بين يديه فيبكي قلبه قبل عينيه، فهل يصلح لولاية العهد من يبكيه جمال فتاة لم يعاشرها سوى دقائق تحت وقع الموسيقا وهمس الحاضرين؟

الأمير الذي لم يكن إنساناً عادياً على الاطلاق بل كان هو الأكثر وسامة ونبلاً، لماذا لم تبحث أو حتى تتمنى سندريلا الزواج من ابن العمدة أو بائع الورد مثلاً، وهي التي لم تكن تستطيع حتى التفكير بالخروج من براثن زوجة الأب وابنتيها البغيضتين، والتخلص من بؤس الحياة التي تعيشها.

الفتاة البسيطة المنهزمة تختار الأمير الوسيم فهل هي الوصولية وشهوة السلطة؟

تناقضات عشناها وما زلنا نعيشها طالما مازالت مكتباتنا تمتلئ بها.

وأخيراً النهاية المشوهة التي تعزز معنى السعادة المغلوطة بحصول ساندريلا على الأمير لمجرد ملائمة قدمها للحذاء الزجاجي والتحول الغريب والمفاجئ حتى في ملامح وجه الأختين، اللتان تتزوجان من المقربين للأمير بعد كل ما قامتا به من أفعال الشر والخداع.

ماذا لو افترضنا أن رسالة القصة الموجهة أصلاً للفتيات الصغيرات كانت تحمل معانٍ أكثر نبلاً؟!

أعتقد أنّ أجمل الأطروحات أن تكون القصة ملائمة لكل العصور حيث تقدم للقارئات الصغيرات معانٍ إنسانية تحمل بين طياتها عبق الكرامة المسيج بالمحبة على الرغم من ألم الواقع بحيث لا تخرج عن الواقعية، ماذا لو أنه تم تقديم النص ذاته بحبكة أخرى:

زوجة الأب الطيبة التي تظهر بمظهر الأم، والتي تحنو على ابنة زوجها بعد أن فقدت أمها، الأختان يتعلقان بالأخت الكبرى التي تعتني بهن وتقرأ لهما قصصاً وتلاعبهن، بائع الورد مثلاً حين يتقدم لخطبة ساندريلا، مشكلات تواجه حياتها وحياة الأسرة ربما لكن تحل بالحكمة والنضج. دور أصدقاء ساندريلا الحقيقيون في حياتها بدلاً من الفئران الخارقين ذوي المشاعر المرهفة.

لعلها تصبح الأطروحة الأجمل، والقصة الأقرب للمثالية بحلوها ومرها، فتغير العبر في قصص الأميرات الخيالية، هو كل ما نحتاجه اليوم لبناء شخصيات فتياتنا في عصرنا الحديث، حيث تواجه المرأة الكثير من الصعوبات والتحديات التي يجب مواجهتها بواقعية وحكمة.

هوس التسوق عالم لا يفهمُه الرجال

هوس التسوق عالم لا يفهمُه الرجال

إعداد: هديل الشامي

يلوم معظم الرجال النساء على حبهن وهوسهن بالتسوق والإنفاق على الشراء بأشكال مبالغ فيها.

لكن ماهي تلك الدوافع وراء هذا النهم الجائر للتسوق، وما هي دوافع النساء، وما المشاعر التي يحصلن عليها بعد حملهن للعديد من الأكياس التي يفرطون في شراء ما بداخلها رغم عدم الحاجة لها أحياناً؟

هل هناك علاقة بين السعادة والتسوق؟

أشارت دراسات قامت بها إحدى الجامعات البريطانية بأن فكرة التسوق والشراء تراود المرأة كل 60 ثانية تقريباً.

وأكدت الدراسات أن تسعون في المئة من النساء يصيبهن هوس الشراء، وبينت الدراسة أن هذا الشراء يتم بمعدلات تزيد عن حاجاتهن.

ومما أكدته الدراسة هو عدم وجود سبب منطقي لذلك سوى المعاناة من القلق والاضطرابات المزاجية، وعدم وجود الاستقرار العاطفي لديهن، ومحاولة التسوق المبالغ فيه تكون ناتجة عن الحاجة لسد الفراغ العاطفي في المقام الأول.

وفقاً لتلك الدراسات فإن النساء المصابات بهوس الشراء غالباً ما يرتبط ذلك الأمر لديهن بحوادث من الطفولة، مما يشعرهن بالحاجة إلى التسوق؛ وذلك لصعوبة التحكم برغباتهن المتكررة في الحاجة للشراء.

وأشارت الدراسة إلى أن إدمان الشراء هو عارض يؤكد احتمالية وجود أكثر من مرض، وأن غالبية هؤلاء النساء يصرفن مبالغ خيالية للحصول على الشعور بالسعادة.

ويبقى حب التسوق وهوسه لغزاً يحير ملايين الرجال، أما النساء فيعتبرن التسوق مصدراً أساسياً للحصول على البهجة.

الفتيات المراهقات يقعن في الاكتئاب أكثر من الذكور

الفتيات المراهقات يقعن في الاكتئاب أكثر من الذكور

بقلم: أحلام العلي

يصيب اﻻكتئاب، وهو من بين أكثر اﻷمراض النفسية انتشاراً خلال السنوات اﻷخيرة، أعداداً كبيرةً من النساء، وتتنوع أسبابه وأنواعه، فمنه المرتبط بالحمل وما بعد الوﻻدة، كذلك ما بعد تزويج اﻷبناء. ومنه ما يرتبط بتكرار المشاكل أو كثرة المواقف السلبية.

كما تؤكد الأبحاث أنّ من جملة اﻷسباب الأساسية لحصول اﻻكتئاب لدى الفتيات يرجع إلى الانطباع السلبي عن شكل الجسد وتراجع تقدير الذات.

ومن جملة اﻷعراض التي ترافق اﻻكتئاب؛ الحزن وعدم الرغبة فى التواصل مع الناس، وكثرة النوم واللامبالاة وعدم الاهتمام بأيّ شيء في الحياة اليومية.

الأمر الجديد مؤخراً، يثبت وجود علاقة قوية بين حصول اﻻكتئاب ووسائل التواصل اﻻجتماعي، فقد أكّد باحثون أنّ أعراض الاكتئاب المرتبطة باستخدام وسائل التواصل الاجتماعي تظهر على الفتيات أكثر من المراهقين الشباب بمقدار ضعفين، ومردّ ذلك إلى ضعف الثقة بالنفس، والمضايقات على الإنترنت، واضطرابات النوم والقلق الذي يؤرق ثقتها بنفسها.

حيث حللت الدراسة بيانات 11 ألفاً من الشباب في بريطانيا؛ فوجدوا أنّ الفتيات في سن الرابعة عشرة كنّ أكثر استخداماً لوسائل التواصل الاجتماعي، فأربعون بالمئة منهن تستخدم وسائل التواصل أكثر من ثلاث ساعات يومياً مقارنة مع عشرين بالمئة من الذكور.

وتظهر الدراسة أنّ أعراض اضطراب النوم ظهرت بين 40% من الفتيات مقابل 28% من الفتيان. ويرتبط القلق وقلة النوم بالإصابة بالاكتئاب، وبالنتيجة؛ فإنّ الفتيات يتأثرن بدرجة أكبر عندما يتعلق الأمر باستخدام وسائل التواصل والقلق من شكل الجسد وتقدير الذات، والملفت أنّ تأثر الفتيان بهذا الأمر كان الأقل.

وتوصلت الدراسة أن 12 بالمئة ممن يستخدمون وسائل التواصل الاجتماعي بشكل قليل و38 بالمئة يستخدمون وسائل التواصل بشكل أكثر ظهرت عليهم علامات تدل على الإصابة باكتئاب حاد.

كما بيّن الباحثون أنّ هناك علاقة بين استخدام وسائل التواصل والاكتئاب فكان أربعون بالمئة من الفتيات وخمس وعشرون بالمئة من الشبان حيث تعرضت الفتيات لمضايقات أو التنمر على الإنترنت، وظهرت عليهن أعراض اضطراب النوم علماً أن القلق وقلة النوم يؤديان إلى الاكتئاب.

وقد ناشدت الأستاذة في معهد علم الأوبئة والرعاية الصحية في جامعة كوليدج في لندن وهي رئيسة فريق الأبحاث” أيفون كيلي” جميع أولياء الأمور للاهتمام بنتائج هذه الدراسة.

في السياق نفسه، أكدت الدكتورة، رحاب العوضي، استشاري الصحة النفسية أن أكثر ما يضر المرأة المكتئبة النصائح من غير المتخصصين من نوعية “انظر لمن أقل منك، أحمد ربنا، أنت أحسن من غيرك”، مضيفةً، أن المكتئب لا يملك التفكير السليم بهذه اللحظة أو يهتم أصلاً بحال غيره، لأن تركيزه يكون على حاله هو فقط.

مؤكدةً أن دور المحيطين بالمرأة التي تعاني اﻻكتئاب يفترض عليهم الكف عن النصح والإرشاد والقيام بعمل شىء مميز لها يدخل على يومها التغيير والفرح، وإشغال وقتها وتفكيرها بالجديد والمفيد الذي يستغرق جهداً وتفكيراً أو ممارسة الرياضة.

إحاطة المرأة المكتئبة بالحب واﻻحترام يعتبر من أنجح وسائل العلاج. تلك أبرز وصايا المختصين في هذا الشأن.

أجمل_عبارات_محمود_درويش

التاسع من آب – عقدٌ كاملٌ على غياب محمود درويش

حين يدلنا على روحه عبر قصائده لا يكون الشاعر ناظماً للشعر بل متداخلا في جمهوره، وحين يرتل أحرف اسمه هو يرتلنا معه، لكأنما الرجل يكتبنا عبر النبوءة والتقدم خطوتين الى الأمام، في ذكرى غيابه غير الممكن تطل حروف درويش كمرساة للحرية في الشعر والحياة ويظل يوقظ فينا لمحة التذوق والجمال كبشر .

كلما زادت سنوات غيابك أيها الشاعر علا نجمك، ومابين التجاذب والفقد، اخترنا التجاذب. ومابين الحرية والموت مازالت الحرية نصب الأعين.

هذا البحر لي

هذا الهواء الرٌطْب لي

هذا الرصيف وما عليْهِ

من خطاي وسائلي المنويٌ“ لي

ومحطٌة الباصِ القديمة لي .

ولي شبحي وصاحبه . وآنية النحاس

وآية الكرسيٌ ، والمفتاح لي

والباب والحرٌاس والأجراس لي

لِي حذْوة الفرسِ التي طارت عن الأسوار “

لي ما كان لي .

وقصاصة الورقِ التي انتزِعتْ من الإنجيل لي

والملْح من أثر الدموع على جدار البيت لي “

واسمي ، إن أخطأت لفْظ اسمي

بخمسة أحْرف  أفقيٌةِ التكوين لي :

ميم / المتيٌم والميتٌم والمتمٌم ما مضي حاء / الحديقة والحبيبة ، حيرتانِ وحسرتان ميم / المغامِر والمعدٌ المسْتعدٌ لموتهالموعود منفيٌا ، مريض المشْتهي واو / الوداع ، الوردة الوسطي ،ولاء للولادة أينما وجدتْ ، ووعْد الوالدين دال / الدليل ، الدرب ، دمعةدارةٍ درستْ ، ودوريٌ يدلٌِلني ويدْميني /وهذا الاسم لي 

ولأصدقائي ، أينما كانوا ، ولي جسدي المؤقٌت ، حاضرا أم غائبا “مِتْرانِ من هذا التراب سيكفيان الآن “لي مِتْر و75 سنتمترا “والباقي لِزهْر فوْضويٌ اللونِ ،يشربني علي مهلي ، ولي ما كان لي : أمسي ، وما سيكون لي غدِي البعيد ، وعودة الروح الشريد كأنٌ شيئا لم يكنْ وكأنٌ شيئا لم يكن جرح طفيف في ذراع الحاضر العبثيٌ“والتاريخ يسخر من ضحاياه ومن أبطالِهِ “يلْقي عليهمْ نظرة ويمرٌ “هذا البحر لي هذا الهواء الرٌطْب لي واسمي وإن أخطأت لفظ اسمي علي التابوت لي .أما أنا وقد امتلأت بكلٌ أسباب الرحيل فلست لي .

أنا لست لي

أنا لست لي “

"وصال الشيخ خليل".. أول شهيدة بالمجزرة الإسرائيلية في غزة (تقرير)

“وصال الشيخ خليل”.. أول شهيدة بالمجزرة الإسرائيلية في غزة (تقرير)

ممازحةً شقيقاتها الثلاث، قالت وصال الشيخ خليل (15 عاماً)، مساء الأحد الماضي، وهي تتناول طعام العشاء برفقتهن:” ربما تكون هذه هي اللُّقمة الأخيرة لي بينكن، فقد أعود يوم غدٍ (الاثنين الماضي) شهيدة”.

جاءت تأثير تلك الكلمات مدوّية على مسامع شقيقاتها ووالدتها، وأثارت لديهن بعضاً من المخاوف والقلق؛ خاصة وأن “وصال” تشارك دائماً في مسيرات العودة وكسر الحصار الحدودية.

لذلك حاولت والدتها ريم أبو عرمانة (43 عاماً)، صباح الاثنين الماضي، منعها من المشاركة في المسيرة، التي ارتكبت إسرائيل مجزرة بحقها.

لكن “وصال”، القاطنة في مخيم المغازي، القريب من السياج الفاصل، أصرت على المشاركة، وبدأت الدموع تنهار من عينيها، راجية والدتها السماح لها بالذهاب، خاصة أنها كانت تنتظر هذا اليوم، بشغف، منذ انطلاق المسيرات في نهاية مارس/آذار الماضي.

وتقول والدتها إن “وصال”، كانت تتمنى أن ينجح الفلسطينيون وهي برفقتهم، في تخطّي السياج الأمني الفاصل بين شرقي قطاع غزة والأراضي الإسرائيلية المحتّلة، في خطوةٍ أولى للعودة إلى بلدة عائلتها الأصلية “السوافير”، التي هُجّر أجدادها منها عام 1948.

وعلى ذلك الأمل، لم تتغيّب الطفلة “الشيخ خليل” عن المشاركة في مسيرات العودة ولو ليومٍ واحد، حيث كانت تعتبرها “واجب وطنيّ وفرض عليها”.

وتشير الوالدة إلى أن “وصال” كانت منذ فترة، تتدرب على أداء أغنية بعنوان “أمي يا جنّة”، كي تهديها لها في يوم ميلادها الذي يصادف نهاية مايو/أيار الجاري.

لكنها، وقبل يوم من استشهادها، أصرت على غناء الأنشودة لأمها، وكأنها تخشى ألا تتمكن من حضور حفل “عيد ميلاد” أمها، في الوقت المحدد، وهو ما حدث فعلا.

وعن أحلام الفتاة الشهيدة، تقول والدتها إنها كانت تتطلع إلى تعلم “اللغة العربية الفصحى”، واستخدامها في حياتها العامة.

كما أهدت الفتاة “الشيخ خليل” أخوتها الصغار، آخر مبلغ مالي كانت تحتفظ به لنفسها يقدّر بـ (دولار واحد)؛ وذلك صبيحة يوم الاثنين، يوم استشهادها.

وقالت لوالدتها آنذاك:” يما (يا أمي) هذا المبلغ لأخواتي الصغار، خليهم (دعيهم) يشتروا حاجات (الحلوى) بها”.

وتعاني أسرة الشهيد من وضع اقتصادي صعب، حيث تقطن في بيت مستأجر، يتكون من غرفة واحدة.

**يوم المجزرة

بعد محاولات عديدة من التوسّل لوالدتها من أجل المشاركة في تلك المسيرة، سمحت لها بمغادرة المنزل برفقة شقيقها “محمد” (12 عاماً)، والذي اعتادت سابقاً الذهاب معه إلى المسيرة .

وتروي والدتها، أن أول فعل قامت به طفلتها، لحظة وصولها المكان، هو التيمّم بالرمال، لعدم وجود الماء، ثم صلّت ركعتين، وأكملت طريقها في مساندة الثوّار.

ويقول محمد، شقيق الشهيدة، الذي كان برفقتها، إن “وصال”، فور وصولها إلى مخيّم العودة، في المنطقة الشرقية لوسط قطاع غزة، بدأت بمساندة الشباب هناك، ومدّهم بالمياه من أجل تخفيف حرّ أشعة الشمس عنهم”.

وما هي لحظات، حتّى باغتتها رصاصة إسرائيلية أصابت رأسها، وأسقطتها أرضاً مضرجّة بدمائها.

وتقول والدتها أبو عُرمانة إن ابنها “محمد”، لم يتحمّل مشهد سقوط شقيقته شهيدة، وهي فاقدة جزءاً من رأسها بسبب الإصابة، وعاد إلى المنزل مهرولاً، والدموع تتحجّر داخل عينيه، ليبدأ بالبكاء والصراخ:” يما (يا أمي) وصال استشهدت، أخذوها الإسعاف، ورفضوا مرافقتي لها”.

لم تصدق الأم ذلك الأمر بداية، وقالت له إن “وصال ستعود حالاً”، لكنّه بدأ بتكرار كلامه.

هرولت أبو عرمانة إلى مستشفى “شهداء الأقصى”، وبدون وعيّ بدأت تسأل الأطباء والممرضين عن فتاة مصابة اسمها “وصال”.

لكن أحداً لم يؤكد لها وجود فتاة بتلك الإصابة، حتّى صادفت صحفية أخبرتها بأن داخل ثلاجات الموتى، توجد “شهيدة مجهولة الهوية”.

بخطوات متثاقلة، جرّت أبو عُرمانة قدميها والخوف يقبض قلبها، وهي تردد “الله يرحمها”.

ولم يخب إحساسها، فقد كانت وصال، الفتاة الجميلة التي تحبّ الحياة، هي ذاتها “الشهيدة المجهولة الهوية”، القابعة في ثلاجات الموتى، لتكون أول فتاة تسقط شهيدة بالمجزرة الإسرائيلية.

وارتكب الجيش الإسرائيلي، الاثنين والثلاثاء الماضييْن، مجزرة بحق المتظاهرين السلميين على حدود قطاع غزة، واستشهد فيها 62 فلسطينيًا وجرح 3188 آخرين، بالرصاص الحي والمطاطي وقنابل الغاز المسيل للدموع.

 

وكالة الأناضول

سبعون عجاف

سبعون عجاف

والترنيمة تحكي مأساة القرن الماضي المستمرة تتسلل عبر النافذة الكلمات :

“أصوات أحبابي تشق الريح تقتحم الحصون.    يا أمنا انتظري أمام الباب إنَّا عائدون  “

في ذكراها التي تعتصر القلب تلوح يد الفلسطيني الغاضبة مرسلة شوقها للزيتون والتراب ، وإيمانها بأن الحق هو صراع بين إرادة الغاصب وإرادة المغتصب، ومن محطات الذكرى المتوالية ألما في 48 وحسرة في 67 وخذلانا في ايلول الأسود وشموخا في الانتفاضة وأملا في لحمة قوى الحق ضد الظلمة ينتشر الفلسطيني كحبات بذار في ارجاء الأرض زارعاً قضيته في أصقاعها ومهللا للعودة بلا كلل.

وفي ركابه عراقيون وليبيون ويمنيون ومن ثم التغريبة السورية الكبرى ونكبة قرننا الحادي والعشرين لتكون استمرار الخذلان وبطش الحكام المستبدين وليرسم الدم السوري نكبته برفقة شقيقه الفلسطيني على شرق المتوسط المهزوم مرات عديدة كأنه قدر لا يمنح غفرانا لأحد.

لن ننسى !

ما تكرره الذاكرة الفلسطينية كل يوم لان زادها إذكاء شعلة التذكر والقبض على جمر الحنين ليكون مهمازا موجعا ، ولن ننسى يرددها السوري بالحرص ذاته وبالقبض على جمر الحنين ذاته ويرسل للفلسطيني أناشيده الحماسية موشاة بأهداب دمشق ومواويل حلب وعتابا الساحل

وينشدنا محمود درويش :

ولي شَبَحي وصاحبُهُ. وآنيةُ النحاس /وآيةُ الكرسيّ، والمفتاحُ لي / والبابُ والحُرَّاسُ والأجراسُ لي

لِيَ حَدْوَةُ الفَرَسِ التي / طارت عن الأَسوار… لي / ما كان لي. وقصاصَةُ الوَرَقِ التي انتُزِعَتْ من الإنجيل لي

والمْلحُ من أَثر الدموع على / جدار البيت لي…

واسمي، وإن أخطأتُ لَفْظَ اسمي

بخمسة أَحْرُفٍ أُفُقيّةِ التكوين لي

 

بقلم: علاء الدين زيات

في عيد ميلادي الخامس والثلاثين

في عيد ميلادي الخامس والثلاثين

بقلم:محمد يحيى المعلم

كأنَّما ودون جَرسٍ

انتصفَ مَا قدْ يُكتبُ مِن عُمُرْ
ميل السهر على رقص الستائر
ترتيب الشامات على مهل
قدرة الوثب فوق دخان
احتمال البكاء لأجل أغنية
رماد آخر
آو موت عابر
***
كأن الأشياء قد تعرفت خلسة آلى ألوانها
وكأن الطريق بدا فجأة مستويا
وباتت هذة السيرة -الآن فقط- للقراءة قابلة
كأنك وحينما كنت تفتش عن ذاتك طيلة الوقت
لم تكن أحدا سواك
وحينما كنت تهرب طيلة الوقت
لم تتعثر بأحد سواك
وكأنك حينما كنت تعبر منك إليك
لم تسقط بسحيق سواك
***
حدث عابر
وميض مركب منسي أَنتْ
أنينُ حَجرٍ فيْ مَجزرةْ
بسيط في مرايا خدش متكسرة
حدث عابر جدا
اعتراف المستحيل أخيرا
بانة مستحيلا
***
يفتح لك الضباب سطرا
لتمر آلى خرابك
تلملم فوارغ رصاصات لم تطلقها
لم تصب أحدا
ولربما لم تقذف
لكن، ما ولقدر
تفغو في أرضك
يرخي لك الوقت مرآة
لتطعن صداك بالأسئلة
وتغيب في دَويِّ السُكونْ
لتحاولَ فهمِ أِرتدادِ وجهكَ ، وُجوهاً حدودَ
الحَمَامِ علىْ نافذةٍ بِلَا خُبزٍ
كَمُّ الثُقوبِ السوداءْ الَّتي أحدثتَ في ذاكرتك؟
لماذا ينحَسرُ اهتمامكَ في (البورنو)
لحسابِ (الأندروميدا)؟
لماذا يستوقفكَ أنَّ أصابعكَ تأخذُ شكلهَا هَذا؟
وأَنَّ مَسامكَ مَكتومة؟
ما الذي تودُّ أنْ تُخبركَ به (لوسي)؟
لماذا تبتعدُ الصُورُ مِن حَولك
مخلِّفةً انزياحاً أَحمرا؟
ولماذا تنامُ بعينينِ مفتوحتين؟
ويدٍ مُعلَّقةٍ على فراغْ
وقَدمٍ خَادرةْ؟
ولماذا؟ لماذا تطعنُ
ليلكَ مِن الخلفْ
وتفتحُ قصائدكَ من الخَاصِرة؟
***
الآن
والآن فقط
لك آن تعيد ترتيب خيباتك
وتبدأ من أول السطر
آن تخيط اوراقك
تمسح عرقها
تزرعها جثة أمس
في مقبرة لا ترد أنا من أناك
لا تتسع لخراب سواك

(كتب أمام مرآة الحمام، عاريا في عيد ميلادي الخامس والثلاثين).

30 نيسان ذكرى رحيل الشاعر المعاصر "نزار قباني" الذي عرف عن شعره في المرأة والحب والحرب

30 نيسان ذكرى رحيل الشاعر المعاصر “نزار قباني” الذي عرف عن شعره في المرأة والحب والحرب

يصادف اليوم ذكرى وفاة الشاعر الكبير نزار قباني الذي غادرنا في 30 نيسان 1998، وليس أفضل من أن أعيد ما كتبه الشاعر نزار قباني بقلمه عن سيرة حياته:

شاعر سوري معاصر، عُرف عن شعره  في المرأة والحب والحرب، له ديوان شعريّ يُعدّ من الأكثر تداولاً، لقصائده وقعاً لطيفاً على نفوس الناس ويُعبّر بصدق عن أحاسيسهم. لنزار قبّاني العديد من القصائد الرائعة، وفي هذا المقال بعضاً منها.

“يوم ولدتُ في 21 آذار1923 في بيت من بيوت دمشق القديمة، كانت الأرض هي الأخرى في حالة ولادة. وكان الربيع يستعد لفتح حقائبه الخضراء، الأرض وأمي حملتنا في وقت واحد. ووضعتنا في وقت واحد.
هل كانت مصادفة يا ترى أن تكون ولادتي هي الفصل الذي تثور فيه الأرض على نفسها, و ترمي فيه الأشجار كل أثوابها القديمة؟ أم كان مكتوباً عليَ أن أكون كشهر آذار، شهر التغيير والتحولات؟
كل الذي أعرفه أنني يوم ولدتُ, كانت الطبيعة تنفذ انقلابها على الشتاء.. وتطلب من الحقول والحشائش والأزهار والعصافير أن تؤيدها في انقلابها على روتين الأرض.
هذا ما كان يجري في داخل التراب, أما في خارجه فقد كانت حركة المقاومة ضدّ الانتداب الفرنسي تمتد من الأرياف السورية إلى المدن و الأحياء الشعبية. و كان حي (الشاغور), حيث كنا نسكن, معقلاً من معاقل المقاومة, و كان زعماء هذه الأحياء الدمشقية من تجار و مهنيين, و أصحاب حوانيت, يمولون الحركة الوطنية, و يقودونها من حوانيتهم و منازلهم.
أبي, توفيق القباني, كان واحداً من هؤلاء الرجال, و بيتنا واحداً من تلك البيوت.
و يا طالما جلست في باحة الدار الشرقية الفسيحة, أستمع بشغف طفولي غامر, إلى الزعماء السياسيين السوريين يقفون في إيوان منزلنا, و يخطبون في ألوف الناس, مطالبين بمقاومة الاحتلال الفرنسي, و محرضين الشعب على الثورة من أجل الحريّة.
و في بيتنا في حي (مئذنة الشحم) كانت تعقد الاجتماعات السياسية ضمن أبواب مغلقة, و توضع خطط الإضرابات و المظاهرات و وسائل المقاومة. وكنا من وراء الأبواب نسترق الهمسات ولا نكاد نفهم منها شيئاً.
و لم تكن مخيلتي الصغيرة في تلك الأعوام من الثلاثينيات قادرة على وعي الأشياء بوضوح. ولكنني حين رأيت عساكر السنغال يدخلون في ساعات الفجر الأولى منزلنا بالبنادق والحراب ويأخذون أبي معهم في سيارة مصفحة إلى معتقل (تدمر) الصحراوي. عرفت أن أبي كان يمتهن عملاً آخر غير صناعة الحلويّات¬ كان يمتهن صناعة الحريّة.
كان أبي إذن يصنع الحلوى و يصنع الثورة. وكنت أعجب بهذه الازدواجية فيه، وأدهش كيف يستطيع أن يجمع بين الحلاوة وبين الضراوة”.

“لا بدَّ من العودة مرةً أخرى إلى الحديث عن دار (مئذنة الشحم) لأنها المفتاح إلى شعري، و المدخل الصحيح إليه.
و بغير الحديث عن هذه الدار تبقى الصورة غير مكتملة, و منتزعة من إطارها.
هل تعرفون معنى أن يسكن الإنسان في قارورة عطر؟ بيتنا كان تلك القارورة.
إنني لا أحاول رشوتكم بتشبيه بليغ,و لكن ثقوا أنني بهذا التشبيه لا أظلم قارورة العطر ..و إنما أظلم دارنا.
و الذين سكنوا دمشق, و تغلغلوا في حاراتها و زواريبها الضيقة, يعرفون كيف تفتح لهم الجنة ذراعيها من حيث لا ينتظرون…
بوّابة صغيرة من الخشب تنفتح. ويبدأ الإسراء على الأخضر، والأحمر، والليلكيّ، وتبدأ سمفونية الضوء والظّل والرخام.
شجرة النارنج تحتضن ثمارها, و الدالية حامل, و الياسمينة ولدت ألف قمر أبيض و علقتهم على قضبان النوافذ..وأسراب السنونو لا تصطاف إلا عندنا..
أسود الرخام حول البركة الوسطى تملأ فمها بالماء.. وتنفخه. وتستمر اللعبة المائية ليلاً ونهاراً. لا النوافير تتعب و لا ماء دمشق ينتهي..
الورد البلديّ سجَّاد أحمر ممدود تحت أقدامك.. و اللَّيلكَة تمشط شعرها البنفسجي, و الشِمشير, و الخبَّيزة, و الشاب الظريف,و المنثور, و الريحان, و الأضاليا.. و ألوف النباتات الدمشقية التي أتذكَّر ألوانها و لا أتذكر أسمائها.. لا تزال تتسلق على أصابعي كلَّما أرت أن أكتب..
القطط الشامِّية النظيفة الممتلئة صحةً و نضارة تصعد إلى مملكة الشمس لتمارس غزلها و رومانتيكيتها بحريّة مطلقة, و حين تعود بعد هجر الحبيب و معها قطيع من صغارها ستجد من يستقبلها و يُطعمها و يكفكف دموعها..
الأدراج الرخاميّة تصعد.. وتصعد على كيفها و الحمائم تهاجر و ترجع على كيفها لا أحد يسألها ماذا تفعل؟ والسمكُ الأحمر يسبح على كيفه ولا أحد يسأله إلى أين؟
و عشرون صحيفة فلّ في صحن الدار هي كل ثروة أمي.
كلُّ زّر فّلٍ عندها يساوي صبيّاً من أولادها.. لذاك كلما غافلناها و سرقنا ولداً من أولادها بكتْ و شكتنا إلى الله..
ضمن نطاق هذا الحزام الأخضر.. ولدتُ، وحبوتُ، ونطقتُ كلماتي الأولى.
كان اصطدامي بالجمال قدراً يومياً. كنتُ إذا تعثّرتُ أتعثّر بجناح حمامة. و إذا سقطتُ أسقط على حضن وردة..
هذا البيت الدمشقي الجميل استحوذ على كل مشاعري و أفقدني شهِّية الخروج إلى الزقاق.. كما يفعل الصبيات في كل الحارات.. و من هنا نشأ عندي هذا الحسُّ (البيتوتّي) الذي رافقني في كلّ مراحل حياتي.
إنني أشعر حتى اليوم بنوع من الاكتفاء الذاتي, يجعل التسَّكع على أرصفة الشوارع, و اصطياد الذباب في المقاهي المكتظة بالرجال, عملاً ترفضه طبيعتي.
و إذا كان نصف أدباء العالم قد تخرج من أكاديمية المقاهي, فإنني لم أكن من متخرّجيها.
لقد كنت أؤمن أن العمل الأدبي عمل من أعمال العبادة, له طقوسه و مراسمه و طهارته, و كان من الصعب عليَّ أن أفهم كيف يمكن أن يخرج الأدب الجادّ من نرابيش النراجيل, و طقطقة أحجار النرد..
طفولتي قضيتها تحت (مظلّة الفيْ و الرطوبة) التي هي بيتنا العتيق في (مئذنة الشحم).
كان هذا البيت هو نهاية حدود العالم عندي, كان الصديق, و الواحة, و المشتى, و المصيف..
أستطيع الآن, أن أغمض عيني و أعد مسامير أبوابه, و أستعيد آيات القرآن المحفورة على خشب قاعاته.
أستطيع الآن أن أعدّ بلاطاته واحدةً واحدة.. و أسماك بركته واحدةً واحدة.. و سلالمه الرخاميّة درجةً درجة..
أستطيع أن أغمض عيني, و أستعيد, بعد ثلاثين سنة مجلسَ أبي في صحن الدار, و أمامه فنجان قهوته, و منقله, و علبة تبغه, و جريدته.. و على صفحات الجريدة تساقط كلّ خمس دقائق زهرة ياسمين بيضاء.. كأنها رسالة حبّ قادمة من السماء.
على السجادة الفارسيّة الممدودة على بلاط الدار ذاكرتُ دروسي, و كتبتُ فروضي, و حفظتُ قصائد عمر بن كلثوم, و زهير, و النابغة الذبياني, و طرفة بن العبد..
هذا البيت-المظّلة ترك بصماته واضحة على شعري. تماماً كما تركت غرناطة وقرطبة وإشبيليا بصماتها على الشعر الأندلسي.
القصيدة العربية عندما وصلت إلى إسبانيا كانت مغطّاةً بقشرة كثيفة من الغبار الصحراوي.. وحين دخلتْ منطقة الماء والبرودة في جبال (سييرا نيفادا) و شواطئ نهر الوادي الكبير.
و تغلغلت في بساتين الزيتون و كروم العنب في سهول قرطبة, خلعت ملابسها و ألقت نفسها في الماء.. و من هذا الاصطدام التاريخي بين الظمأ و الريّ وُلِدَ الشعر الأندلسيّ..
هذا هو تفسيري الوحيد لهذا الانقلاب الجذريّ في القصيدة العربية حين سافرتْ إلى إسبانيا في القرن السابع.
إنها بكل بساطة دخلتْ إلى قاعة مكيّفة الهواء..
و الموشحات الأندلسية ليست سوى (قصائد مكيفة الهواء)..
و كما حدث للقصيدة العربية في إسبانيا حدث لي, امتلأت طفولتي رطوبة, و امتلأت دفاتري رطوبة, و امتلأت أبجديتي رطوبة..
هذه اللغة الشاميّة التي تتغلغل في مفاصل كلماتي, تعلَّمتها في البيت-المظّلة الذي حدثتكم عنه..
و لقد سافرت كثيراً بعد ذلك, و ابتعدت عن دمشق موظفاً في السلك الديبلوماسي نحو عشرين عاماً و تعلمت لغاتً كثيرة أخرى, إلاَّ أن أبجديتي الدمشقية ظلت متمسكة بأصابعي و حنجرتي, و ثيابي. و ظللتُ ذلك الطفل الذي يحمل في حقيبته كلَّ ما في أحواض دمشق من نعناعٍ, و فلّ, و ورد بلدي..
إلى كل فنادق العالم التي دخلتُها حملتُ معي دمشق, و نمت معها على سريرٍ واحد”.
“في التشكيل العائلي، كنت الولد الثاني بين أربعة صبيان وبنت، هم المعتز ورشيد وصباح وهيفاء.
أسرتنا من الأسر الدمشقية المتوسطة الحال. لم يكن أبي غنياً و لم يجمع ثروة, كل مدخول معمل الحلويات الذي كان يملكه, كان ينفق على إعاشتنا, و تعليمنا, و تمويل حركة المقاومة الشعبية ضدّ الفرنسيين.
و إذا أردت تصنيف أبي أصنفه دون تردد بين الكادحين, لأنه أنفق خمسين عاماً من عمره, يستنشق روائح الفحم الحجري, و يتوسد أكياس السكَّر, و ألواح خشب السحاحير..
و كان يعود إلينا من معمله في زقاق (معاوية) كلَّ مساء, تحت المزاريب الشتائية كأنه سفينة مثقوبة..
و إني لأتذّكر وجه أبي المطلي بهباب الفحم, و ثيابه الملطخة بالبقع و الحروق, كلّما قرأت كلامَ من يتّهمونني بالبرجوازية و الانتماء إلى الطبقة المرفهة, و السلالات ذات الدم الأزرق..
أي طبقة.. وأي دم أزرق. هذا الذي يتحدثون عنه؟

كتاب الأغاني لأبي الفرج الأصفهاني(خاص)

كتاب الأغاني لأبي الفرج الأصفهاني(خاص)

استغرق تأليف هذا الكتاب خمسين عاماً وبعد الانتهاء منه أهداه لسيف الدولة الحمداني فحظي بجائزة مقدارها ألف دينار، فما القيمة الأدبية لهذا الكتاب، وعلام بنى الأصفهاني كتابه؟ وما السبب في تأليفه؟.

من الأصفهاني؟

هو علي بن الحسين بن محمد بن أحمد بن الهيثم المرواني الأموي القرشي الأصل والبغدادي المنشأ أبو الفرج الأصفهاني،(٨٩٧-٩٦٧م) أديب وشاعر ولد في أصفهان “أيران الحالية”، ولكنه قضى معظم حياته في بغداد وحلب وسوريا.

كان عالماً بأيام العرب وأنسابهم وسيرهم وأخبارهم ومغازيهم، حافظاً الشعر والحديث، ملماً بالطب والفلك والموسيقا، وكان شاعراً كاتباً ناقداً.

مضمون كتاب الأغاني:

كتاب الأغاني لا يُدانى في منزلته وغزارة مادته، فقد اجتمع فيه مالم يجتمع لسواه من تراث العرب الأدبي. وقد استوعب ثقافة عصره وحصيلة معارفه، وحوى عيون النثر والشعر والقصص والأخبار والتاريخ والاجتماع والهزل والجد والغناء وتراجم الأدباء فكان ذخيرة من الأخبار عن جميع مناحي حياة العرب الاجتماعية.

الكتاب مصدر هام لدراسة الحياة الاجتماعية في عصره، كما نلمس تقاليد الناس وعاداتهم، وما كانت عليه مجالس طربهم وأجناس شرابهم، وأنواع زينتهم ومآكلهم وأزيائهم، وينطوي على وصف حيّ للجواري والقيان وآلات الطرب، وفيه تصوير طريف لحياة القصور، وأنماط بنائها وأثاثها، وحياة الترف في جنباتها.

أيضاً من خلال هذا الكتاب نقف على حال المرأة، وما كان يعتري حياة الناس من مظاهر الحرية والعبودية والترف والحرمان والنعيم والشقاء.

علام بنى الأصفهاني كتابه؟

يقول ابن خلدون: “جمع أبو الفرج في كتابه أخبار العرب وأشعارهم وأنسابهم وأيامهم ودولهم، وجعل مبناه على الغناء في مئة الصوت التي اختارها المغنون للرشيد. وقد استهل المؤلف كتابه الكبير بالكلام عن الأصوات التي بناه عليها، فأورد ما ذكره إسحاق بن إبراهيم الموصلي من أنّ الخليفة هارون الرشيد أمر أبوه إبراهيم باختيار  أصوات من الغناء القديم، فاختار له من غناء أهل كل عصر ما اجتمع علماؤهم على براعته وإحكام صنعته ونسبته إلى من شدا به، ثم أتى إلى المحدثين وأخذ يورد لهم ما طابق هذه الأصوات”.

هذا وقد ضمت لهذه الأصوات أصوات أخرى غنيت للخليفة العباسي الواثق بالله، إضافة إلى بعض الأصوات التي اختارها أبو الفرج بنفسه.

السبب الحقيقي لتأليفه كتاب الأغاني:

الباعث الأول على تأليف هذا الكتاب وعلى تبويبه إنما هو جمع الأغاني، وأنّه اضطر إلى اتباع هذا المنهج الخاص؛ لأنّ عليه أن يبدأ بذكر الأصوات الثلاثة المختارة وما استتبع ذلك من ارتباطها بشعراء متأخرين في الزمان، وليسوا من المشهورين أو المعدودين في المتقدمين، فالألحان لدى أبي الفرج هي الأصل في الكتاب.

مآخذ الكتاب:

من أكثر المآخذ على هذا الكتاب هو الاستطراد الذي يرى فيه أبو الفرج مزية له لإبعاد الملل عن القارئ وتنشيطه ويعلل ذلك بقوله:

“وفي طباع البشر محبة الانتقال من شيء إلى شيء، والاستراحة من معهود إلى مستجد، وكلّ منتقل إليه أشهى إلى النفس من المنتقل عنه. فما رتبناه أحلى وأحسن ليكون القارئ له بانتقاله من خبر إلى غيره ومن قصة إلى سواها، أنشط لقراءته وأشهى لتصفح فنونه”.

هذا الاستطراد نراه اليوم عيباً لأن في ذلك التنقل ما يخلّ باتساق البحث ووحدة الموضوع.

ومن المآخذ أيضاً أنّ الكاتب اهتم بسرد الجوانب الضعيفة في حياة الشعراء مركزاً على حياة الخلاعة في سلوكهم، وأهمل الجوانب المعتدلة من تصرفاتهم متأثراً بأخلاقه الشخصية، مما جعل القارئ يتوهم أنّ بغداد كانت مدينة الخلاعة والإلحاد، مع أنّها كانت في الواقع عامرة بالعلماء والفلاسفة والزهاد والعباد.

اهتمام الأدباء قديماً وحديثاً بكتاب الأغاني:

عني القدماء والمحدثون بهذا الكتاب فعملوا على تلخيصه أو إعادة ترتيبه، كما عني أحد المستشرقين بوضع فهارس شاملة له.

قديماً: “ابن ناقيا البغدادي” اسم كتابه “مختصر الأغاني”، ولصاحب لسان العرب “ابن منظور” مختصر آخر اسمه “مختار الأغاني في الأخبار والتهاني”، غير أنّه خالف فيه الأصل فرتّب الشعراء والمغنين ترتيباً معجمياً.

حديثاً: في طليعة المهتمين بهذا الكتاب هو أنطون الصالحاني الذي اختصر كتاب الأغاني في مجلدين اثنين وأسماه” رنّات المثالث والمثاني في روايات الأغاني”.

أما محمد الخضري فقد اختصر كتاب الأغاني، وعلق عليه، فأصدر تسعة أجزاء باسم “مهذب الأغاني”.

نخلص إلى القول أن كتاب الأغاني من الأعمال الأدبية الخالدة، فهو مكتبة في كتاب بعد استغناء الصاحب بن عباد عن استصحاب حمل ثلاثين جملاً من الكتب؛ استغنى عنها باصطحاب كتاب الأغاني.

ويذكر أنّ الحَكَمَ الأندلسي قد أرسل بألف دينار من الذهب العين ليحظى بنسخة عن كتاب الأغاني قبل إخراج النسخة إلى العراق.

ويمكننا القول: إنّه لم ينل كتاب في الأدب العربي شهرة مثل كتاب الأغاني الذي قال عنه ابن خلكان:” الأصفهاني من أعيان أدباء أصبهان”.

المصادر: 1-عمر الدقاق في كتابه: (من مصادر التراث العربي في اللغة والمعاجم والأدب والتراجم)

2-مكتبة عسكر، دار صادر، بيروت.

ويكيبيديا الأيام:

الاستطراد

هارون الرشيد

ابن خلكان.

بقلم: أحلام العلي