قلعة حلب

حوار قصير مع القلعة

يكتبها: سامر الطه

نزلت إلى قلب المدينة ..ابحث عن أشياء في مخيلتي ..
عن اناس كانوا يمرون من هنا..حجر كبير كنت استريح عنده قليلاً ..بعد مشوار كنت اقضيه في تفاصيل الحياة ..
أتأمل من عنده صرحاً شامخاً ..أحجاره تروي قصصاً لاتنتهي.. عن العشق والكره عن الحرب والسلم عن الأمجاد والانحطاط.
عن بشرٍ مرّوا ..وآخرين سكنوا ..وآخرين أتوا من الغرب والشرق ليشهدوا عظمته .. وعظمة من صنعه ..ودافع عنه .. وسكنه ..
كانت أحجاره تهمس في قلبي ..
هل تحبني ؟؟ أيروقك النظر الي ؟؟
هل ستبذل الدم والروح لأجلي مثل أجدادك وأسلافك ؟؟
أم أنك ستساوم علي وتهجرني وتخذلني ؟؟ وتجعلني أسطورة خيال لأحفادك ..
قلت في قرارة نفسي ..مابه هذا الصرح الذي يعانق التاريخ والسماء ؟؟
أيعيش الماضي الآن !! أيظن نفسه في عهد الملوك والأمراء والخلفاء !! في عصور الروم والفرس ونهضة الإسلام !!
ألم يدرِ أننا انتهينا من حروب الخيل وسلاح الرجال !! والقتل والتنكيل والسبي والغنائم .. وأصبحت حروبنا حروب اقتصاد .. ببترول ومال .. والأرض المغتصبة سلَّمناها .. ووضعنا سلاحنا وقلنا سلام .. والاستبداد عاش فينا وقلنا تمام .. والنفوس روضناها على النحيب والشكوى والجهل والحرمان .
استغربت صيغ السؤال وتوقيت طرحه الآن !!

انتظرت الرد برهة ونويت بعدها الرحيل ..
مع نظرتي الأخيرة رأيت الخارجين منها كدموع سوداء ..
كأن ما جال في خاطري قد مسَّ قلبها ..
فرمقتني بعيون تغص بتناقض التاريخ والأجيال والآهات والويلات والبهجات والأفراح في حياتها ..
أدبرت مسرعاً في خطاي مع أصوات نحيب وهمس يلاحقني و يجتاحني ..
ألا تعلم أني أعيش الماضي بكم والحاضر ..وأني أسمع مايجول في الخاطر .. والله إني أخشى على نفسي من هذا الزمان ..ومن أناس لايروني إلا حجراً مجرداً .. وجل اهتمامهم سلطة ومال . أناس جعلوني للزيارة معلماً وكنت في ما مضى مصنعاً للشعر والأدب والعلم والرجال .

كيف نستثمر في الحب علاقاتنا؟!

كيف نستثمر في الحب علاقاتنا؟!

بقلم: فرات الشامي

“حنين الرجل إلى المرأة حنين الشيء لنفسه، وحنين المرأة إلى الرجل حنين الشيء لوطنه”. ابن عربي.

يكاد يستحيل أن تخلو  العلاقات اﻹنسانية من الحب، غير أنّّ السكينة واﻻستقرار تنسل من بين أيدي المحبين والعشاق على غفلةٍ، فيشكو الطرفان من القطيعة؛ وتحوّل المودة إلى ركنٍ قديمٍ في الذاكرة، مغطىً بمزيجٍ من المبررات المنطقية والساذجة، من الرجل والمرأة.

تنتهي تلك العلاقات ببطءٍ تدريجي إلى ما يمكن أن نصطلح عليه “طلاقاً عاطفياً”، تصبح بعده “الحميمية” مجرد فعل “اعتياد”، وحاجةً مكملةً للبقاء؛ كالماء والهواء… ولعل معظمنا ﻻ يركن إلى القناعة التي انتهينا إليها في هذه الجملة القصيرة، والمؤلفة من اﻷركان الثلاثة؛ “البقاء، الماء، الهواء”.

وبمعنىً آخر؛ لو أنّ الطرفان اكتسبا وعياً دقيقاً أنّهما بالنسبة لبعضهما كحاجة الناس وعشقها للهواء أو الماء ﻻستمر منطقياً معه العطاء، وﻷصبح البقاء تحصيل حاصل. يقول جلال الدين الرومي: “للمرأة حضور خفّي.. لا يراه ويهتدي به إلا رجل متفتح عارف”.

ما زلتُ أذكر كلمات أغنيةٍ قديمة لكاظم الساهر، عنوانها “ﻻ تحرموني منا”، يقول فيها، “أنا شلون اتخلى عنك، وأنا عايش من خلالك، أنا شلون اتخلى عنك، وأنا اتنفس من خلالك…”، قد ﻻ يتفق البعض مع مضمون تلك الكلمات، لكنها واقعياً، تحدث إنْ عرفنا كيف نستثمر في الحب علاقاتنا.

إنّ مقدمة بناء تلك الركيزة اﻹنسانية بين الرجل والمرأة، تفترض على الطرفين فهم كلاً منهما للآخر، على أنّ المسؤولية تقع على عاتق “الرجل” منطقياً، هذا ما تأمله “حواء”، وهذا ما يُنضج شعور الرجولة لدى “آدم”.

فكيف تستثمر في الحب يا “آدم”؟!

أو لربما يكون السؤال، “كيف تكسب من استثمار العلاقة مع “حواء”؟.

ﻻ فرق في طرح السؤالين؛ إذا كانت النتيجة واحدة.

أعتقدُ أنّ الزواج أو مقدمته “الحب”-بمفهومه النقي-ليس مخاطرةً تجارية يقتحمها أحد الطرفين؛ فإمّا أن تكلل بالنجاح أو تنتهي إلى السقوط في بئر الفشل، هو ليس كالبطيخة كما يقو العوام، بل على العكس، فقط يحتاج إلى قواعد، فادنو واغترف يا “آدم”، وأنصتي يا “حواء” إلى إيقاع الحياة المتناغم داخل قارورة العسل النقي الذي وصلتُ إليه:

ﻻ تبحث “حواء” في الغالب عن الكثير، هي فقط تريد منك كلمةً طيّبةً، ونظرة حب، وملاطفة وادعة. بل إن أكثر ما يشعل نيران غضبها الإهمال؛ أن تكون بعيداً عنها روحياً وجسدياً… بعيداً عن تفكيرها، مُهملاً لمشاعرِها وأحاسيسها.

تصبو “حواء” إلى معاملةٍ من نوعٍ مختلف، ممزوجةٍ بذوقٍ عالٍ، ﻻ يخلو من البساطة، ما زلتُ أذكر كيف غنى كاظم الساهر، كلماتٍ تقول، “بيت على قد أحلامنا وعيشا على قد الحال… تغنينا كلمة من القلب… والغنى مو بالمال”، كلانا “الرجل والمرأة” نبحث عن منزلٍ عامرٍ بأعمدة “الحب والسكينة والطمأنينة”، أما الركن الرابع، فذلك تكفل الله تعالى بتشييده والدلائل كثيرة في هذا الجانب.

إنّ من معاني الحب والزواج العظيمة؛ أن تشعر بمن تحب إن كنت في أدغال أفريقيا، وكانت حواء الحبيبة في بلاد الأسكِيمو،  تشعُر بِها رغم المسافة، تقترب منها دونَ أن تراها؛ إنه الكلمة الطيبة، واليد الحنون، تحيطها وتسورها النظرة الرحيمة، وفي سورة الروم آية: 21: “وَمِنْ آَيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجاً لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً”… ما زلتُ أحفظ عن الشيخ محمد متولي الشعراوي قوله في خواطره القرآنية، “السكن، المودة، الرحمة”، ثلاثُ أعمدة، إن أقمتها أيها الرجل أقام الله تعالى العمود الرابع، إذ ﻻتبنى البيوت إﻻ على أركانٍ أربعة”.

قدّم لها  الدفء… ليس دفء الفراش، إنه ذاك اﻹحساس النابع منك تجاهها في إحاطة أزماتها وتسكين مشاعرها، أشعرها بكينونتِها؛ فهي تعشق من يحترم ذاتها وعقلها … توِّجها ملكة في قصرك… إمنحها اﻹحساس بالرجولة والعناية، والعب بصدقٍ دور “اﻷب، اﻷخ، الصديق، والسند”، يقال في المثل الذي تؤمن به حواء، “ظل راجل وﻻ ظل حيطة”.

اﻻستثمار في الحب للمرأة يحتاج قدوةً، لعلي أقدمها وصفةً سحريةً تعيش أجواء العشق فيها والرومانسية التي تطمح إليها، ومن داخل بيت النبوة، أشياء تدخلك أجواءً عجيبة قد تدهشك يا آدم، لكنه محمد -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم- كان يفْعَلُها، سبقني وإياك إليها.

فمن لطيف معاملته -صلى الله عليه وسلم- لزوجته أنه كان يشرب من موضع شربها، يوماً ما كنتَ في زيارةٍ إلى بيت حبيبتك/خطيبتك، تمنيت لو تلمس شفاهك وضع شفاهها… فأنصت إلى كمال تلك الحادثة، عن عائشة رضي الله عنها قالت: “كنتُ أشربُ وأنا حائضٌ، ثم أُنَاوِلُه النبيَّ -صلى الله عليه وسلم- فيَضَعُ فاه على موضِعِ فيَّ فيشرب، وأَتَعَرَّقُ العَرَقَ (تأكل من العظم الذي عليه لحم) وأنا حائضٌ، ثم أُنَاوِلُه النبيَّ صلى الله عليه وسلم فيَضَعُ فاه على مَوضِعِ فيَّ” رواه مسلم.

قال ابن كثير: “وكان من أخلاق النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ أنه جميل العشرة، دائم البِشر، يداعب أهله، ويتلطف بهم، ويوسعهم نفقة، ويضاحك نساءه”. ودونك ما يقوله صلى الله عليه وسلم كما يروي البخاري: “إنك لن تنفق نفقة الا أجرت عليها حتى اللقمة ترفعها إلى فِّيّ امرأتك”…. ما يعني إمكانية اﻻستثمار في الحب حقيقةً.

ثمّ؛ إياك ومعاملة اﻷنثى/الحبيبة أو الزوجة كما الرجل الآلي! بحيث تَنفي عنها إنسانيّتها، فتنسى ضعْفِهَا، وأنَّها شَقيقةُ الروح، غنى قديماً وديع الصافي “يا شيق الروح من جسدي”، تذكّر دوماً أنها أُنْسُ الحياة وبهَجة العُمْر، بل هي آيةُ الجمال. وأنصت للتوجيه القرآني: “وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ فَإِنْ كَرِهْتُمُوهُنَّ فَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَيَجْعَلَ اللَّهُ فِيهِ خَيْرًا كَثِيرًا”. النساء:19 يقول العلامة الجصاص الحنفي معلقاً على هذه القاعدة “وعاشروهن بالمعروف”: ومن المعروف: ترك أذاها بالكلام الغليظ، والإعراضِ عنها والميل إلى غيرها، وترك العبوس والقطوب في وجهها بغير ذنب” أحكام القرآن للجصاص 3/47.

وتذكر كم مرةً حاولت حواء إرضاءك، وتغاضت وغضت الطرف عن أفعالٍ ارتكبتها حرصاً منها على ألا تفقد السند الذي اختارته من بينِ كل أولئك الرجال الذين تقدموا إليها.

من جميل ما قرأت تلك الأسئلةُ البسيطة التي تأملتها ملياً قبل نحو  5 أعوامٍ من دخولي ريحانة الحب والزواج، لماذا… لماذا المرأة، ولماذا وراء كُلِّ عظيمٍ امراة؟ لماذا خلف كلِّ ابتسامات التعساء فرحةٌ ساقتها امرأة؟ لماذ غيّرت وجودك وتفاصيله امرأة؟ لماذا ﻻ كون رجاﻻً ونعترف لها بتميزها؟

يقول رجل الأعمال الأمريكي “جاري ميلر” يصعب العثور على من يقول: “لقد كنتُ خائفاً لدرجة أنَّي أسرعتُ إلى زوجتي، محمد فعل ذلك.. يوم جاءه جبريل، لا بد أنها امرأة عظيمة”.

همسات

ولادة

ولدت في ليلة حمقاء…
جمعتها ترهات الحب…
وبعض الكتمان…. وكثير الأكاذيب…
سقطت متكاثراً مع الهم…
ماشياً على خمس….
فأنفي يجر الهزيمة كنعامة الطين..
بعيون غبية…. تلف الظل…

أنا الجنين المشوه غمداً…
 لأن لا شيء يشبهني…
ولأنني خطيئة الحلم…
ولأنني لست تاجراً في مزادهم…
ولست خليفة السلطان…
ولا الأرض…ولا الراية…ولا الوقت…

ولدت في تأريخ مزور…
وسيف مقعر…. وبعض الكثير الكثير… لذاك المكرر…
هنا ولدت…. لأكون رقماً…
ضحية… حقيبة… مسرحاً للجريمة البكر…

هنا…. على الأرض…وفي القاع…
كل شيء يشبه النقصان….. إلا الموت…
هنا…هكذا. ولدت.. لأكتمل حين مت …

أسماء رزوق

أكتب النهايات

أكتب النهايات

بقلم: فرات الشامي

أكتب النهايات

لمن… أتعرفين؟!

وما شأنه الهوى

يستفتيني عنكِ

أنسيَّ أني

دونكِ

وجع السنين؟!!

******

أكتب النهايات

هرعاً إلى العزلة

يا حبيبتي

فقد تلاشى الدفء

وعلى حافة التلاشي

تستوطنين

وفي استيطان حبك

ينبت بالزهر تشرين

كل التناقضات أكتبها

وأنتِ ﻻزلتي تستهزأين؟!

****

أتدرين أو تعرفين

لمن أكتب آخر الحروف؟!

أكتبها في سبيل

الشوق إليكِ

في طريق الشوك

أكتب عن الحنين

******

منكوبٌ أنا لو تعلمين!!

كأيّ وطنٍ عربيٍّ

مسكونٌ باﻷنين

حبيبتي

عن أيّ اﻷماني القديمة

تتحدثين؟!

كلُّ الوعود ذهبت

هباءً مع السنين

*******

أكتب النهايات

فانتظريني

عند آخرها

وأقرأي حروفي عند

حافة الحنين

********

أكتب النهايات

ﻷستعد للقياكِ

تلامسين مثلي

أطراف الشوق

لعل حروفي

تعارك

وتهزم ألم السنين

*****

حبيبتي

أكتبي على وريقاتي

سجلي حضوركِ

أتتكبرين؟!

تبعثري مثلي

واكتبي القصائد

فكلانا مخلوقٌ من ماءٍ وطين

****

عائدون نحن

لنرتقي

ونصلب قلوباً من حديد

استعيدي معي وبرفقتي

وطناً جديد

فأنا ﻻ أكتفي بأحضانك

ﻷني كالنار شوقاً

كلما ألقي فيها عطرك

قالت: هل من مزيد

الطريق إلى التحرر من آدم

الطريق إلى التحرر من آدم

بقلم: هديل الشامي

العلاقة بين “آدم وحواء” في مجتمعاتنا مشوبةٌ بالتنافي الذي يصل حدّ الصدام المباشر، على شكل تحركات عسكرية فوق ميدان المعركة مسبوقةٍ بتوتراتٍ وتصعيدٍ قوي اللهجة، في تلك اللحظات التي تسبق الحرب الكلامية يفقد الكل لغة المنطق، والحوار، مع رغبةٍ واضحةٍ للانعتاق.

ما يزيد من حالات الانفصال والطلاق بين “آدم وحواء” إلى أعلى درجاتها؛ إغفال السيدات لأمورٍ بالغة الأهمية في العلاقة بينهما.

بناء جسور الترابط يبدأ بصعود درجاتٍ للوصول إلى أعلى القمة، أولها “الثقة”، التي تزيد صلابة العلاقة بين طرفي المعادلة، مع إدراكٍ بأنّ الوصول لحياة أكثر وفاقاً مع “رجل” تحتاج بالضرورة أن تكون له في بعض الأحيان كـ “الأم”.

التجربة الأسرية تقول بأنّ الأم الأكثر نجاحاً هي التي تغرق طفلها بالقبلات والأحضان وتتمتم “اهدأ”، “أنا أحبك “، “لن ينفع الغضب لحل المشكلة”، بينما يواجه هو نوبة شديدة من الغضب. والأنثى الناجحة تبادر بأعذب ابتسامة تمتلكها لمجرد عودة “آدم” من العمل؛ فللابتسامة سحرها وألقها على نفسية جل الرجال.

القرارات الواعية والمناقشات الهادفة والفطنة في التعامل كاختيار الوقت الأنسب للبدء بالحديث والمعاتبة هي بوابة السعادة بين الطرفين لا سيما وإن كان الطرفان هما “آدم وحواء”.

عادةً ما يلجأ الرجال إلى الهروب؛ وذلك للخروج من متاهة الجدليات العقيمة اللامتناهية.

ولعل الحل الأمثل هو اختيار طيب الكلام ومختصره من كلا الطرفين وعدم الوقوع في فخ النكران، بالتالي؛ الوقوع بين الحسرة والندم وكذلك يجب البحث عن الحلول الأقرب إلى المثالية.

أما قرار الانغلاق والدخول إلى قوقعة القيل والقال فهو قرار يجب إلغاؤه بكل وعي، ومواجهة المسائل المتعلقة بحياة “آدم وحواء”، ومثل هذه القرارات عادة تجعل المشاعر في داخل الإنسان كبركان خامد يستيقظ في أي لحظة حارقاً معه كل ما يمر به.

رحلة التحرر واليقظة في مختلف العلاقات البشرية وخاصة إذا ما كانت تتعلق بالزوجين بشكل خاص ليست بالرحلة المريحة أو السلسة، لكنها من الرحلات الممتعة التي تحتاج للصبر، والتحرر من آدم يعني بشكل دقيق الدخول لعالمه ومعرفة الطريقة الأمثل والأكثر إيجابية للوصول إلى بر السلام.

إذاً فإن أولى خطوات التحرر تعني الانصات للمشاعر، وعدم نكران، بل قبول ما يحصل داخل النفس وخارجها من دون زيف.

وحيث لا يوجد كاتلوج أو باترون نقيس عليه كيفية الوصول إلى النهايات السعيدة يبقى عبق الأنثى وسحر بيانها وبصمتها الخاصة لتضفي على العلاقة بين “زوجين” أو “حبيبين” بذور السعادة وذلك في رحلة ممتعة نحو التحرر والوعي واليقظة.

حجم اليقظة والفطنة في مختلف العلاقات بين البشر مقرون بشكل كبير بالخبرات والتجارب التي يمر بها جميع الأطراف، لذلك فإن ثنائية النجاح المنشودة عادة ما تبلغ ذروة نضجها كلما امتدت جسور الحياة.

الوصفة السحرية من الممكن تسميتها بالسهل الممتنع، فمواجهة أصعب أزمات الحياة يحتاج للصبر؛ حتى تصبح العلاقة أكثر جمالاً وتألقاً.

001A557C-AB1E-4A23-94BA-0F6A41742EA9

جريمة عاقر

أسماء رزوق 

قَتَلْتُ ولدي حينَ أنجبته
بوطنٍ يأكلُ الأولادْ
يعزي وجوههم بالعيد
بحلوى الموتِ في الأوزان
*****
قَتَلْتُ ولدي حينَ أنجبته
لدينٍ ضحى بالأحلامْ
يحبُ اللحمَ أضحيةً
ولو طازجْ …
لكان الحبُ فيه زادْ
*****
قَتَلْتُ ولدي حينَ أنجبته
بعشقٍ خان بالأعماق
تسلم كل صكوك الملك
فباع ملكه برياء
*****
قَتَلْتُ ولدي حينَ أنجبته
لِشرقٍ يُزبدُ الأولادْ
وطبع العرب لو عشقوا
لكان العار في الإنجاب
*****
قتلتُ ولدي ياسيدْ
وحكمُ مقتلي الإعدامْ
أشدُ العقلِ أحجيةً
وأنطق باسم عبد الله
*****
قَتَلْتُ ولدي حينَ أنجبته
وفي النيةِ قتلُ الذاتْ
فلا حصلتُ أمنيةً
ولا ولدي بحضني الآن
*****
أنا أذنبتُ ياربي
فخذني من هنا في الحال
وارحمْ ضعفي لو خليتْ
فطبع العبد ضعف الحال
*****
أنا وليت مقهوراً
برحم عاقر للآن
فلا ولدي قد انجبت
ولا مات الذي ما كان
أنا عبد بطبع الحال
ووصف العبد ما اقساه

——————اللوحة للفنان زهير حسيب

يوميات قاضٍ منشق 5 تلطخ ثوبي بالخطيئة ﻷنهم...

يوميات قاضٍ منشق 5 تلطخ ثوبي بالخطيئة ﻷنهم…

بقلم: فرات الشامي

الثامنة والنصف صباحاً، تدخل الرواق متلعثمةٌ تحيط وجهها بغطاءٍ أسود، لا يشي إلا بعينين بكتا ليلةً كاملة حتى الصباح… دخلت وبين يديها منديلٌ ملطخٌ بالدم… وارتعاشةٌ واضحة سرت في جسدها النحيل.

سبعة عشر ربيعاً… حنطية البشرة… وجاذبيةٌ شرقيةٌ مع حضورٍ ﻻفت، تخلل كلماتها القليلة في بضع دقائق، استوقفت الحضور.

سيدي القاضي حضرات السادة المستشارين؛ تلطخ ثوبي بالخطيئة، تحول اﻷبيض أسوداً بالفجيعة، أقسمُ أمام عدالتكم أنني لم أبح إﻻ بالحقيقة، فأنصفوني وارحموا نبضات قلبي الرقيقة.

انشغلنا عنها سيدي القاضي حضرات المستشارين، ما بين غربةٍ وعمل، وكما تعلمون ظروف الحياة… لم نبتعد كثيراً فقط كنّا مشغولين في ذات المربع الذي نعيش بداخله.

حضورٌ كالغياب سيدي القاضي، الكل اعتلى سلّم القطيعة وارتمى في ذوبان ذاته وحده.

حتى هي أدمنت معنا… تعاطت اﻷفيون الذي نتعاطاه… أغلقت على نفسها كل النوافذ، كما أغلقناها، تحدينا الهموم باﻹنزواء… أربعون عاماً أو يزيد… كل ركنٍ وزاويةٍ تنم عن غربةٍ داخل غربتنا.

ضجيجٌ يعلو المكان… كأنما دخانٌ يتصاعد ويتلبد الجو بغيمٍ عقيم، ورائحة الاتهامات التي أطلقها عددٌ من الحضور، مبرراتٌ ليس أكثر؛ فثمة حتماً تشابهٌ بين الحاضرين، وثمة مرآةٌ تعكس ما أخفته اﻷفئدة، فأحرجتها كلماتُ الصبية حتى ارتفعت أصواتهم.

هدوء … هدوء في المحكمة… أيها الحراس قيدوا المتكلمين داخل القفص؛ ننظر في أمرهم.

لم تكن حُبلى، بل مدركةً لما تقوم به، فقط أرادت أن تصحو من غيبوبتها، وتعلنها فوق ميزان العدالة… في عينيها جرحٌ ووطن، يتماهى الحدث بين قصة أنثى ومدينة، مع فوارق ﻻ تكاد تذكر.

سيدي القاضي، حضرات السادة المستشارين، السيد النائب العام، إنّها أسرةٌ انحازت إلى الصمت والسبات الطويل، وتسبب صمتهم بتلوث وحيدتهم ذات الوشاح الأسود التي تقف أمام عدالتكم… إنه أفيون اﻹنترنت، الذي شغلهم عنها.

محكمة.

الجلسةُ اﻵن للنطق بالحكم.

من بين الملفات القليلة التي ترد غرفة القضاء بدا أنّ المجتمع يواجه آفةً مستعصية؛ وإن لم يكن ثمة نزاعٌ على شيء، لكن الوقائع تحكي عكس ذلك.

فالصمت الأسري نتيجة أفيون الإنترنت… ﻻ يختلف عن دوامة الصمت أمام مذبحةٍ ينتهك فيها عِرضُ الوطن… الصمت في كِلا الحالتين جريمة.

وحتى ﻻ نخرج عن سياق القضية رقم 3 جنايات، يخصص ساعةٌ يومية دون إنترنت، وتلغى اﻹعجابات الوهمية وتستبدل بجلسةٍ علنيةٍ فوق مسرح الواقع… بحضور أفراد العائلة… ويكلف الجميع بالتواصل بعيداً عن مواقع التواصل اﻻفتراضي؛ لمعرفة أخبارهم وتداولها بدلاً من تدويلها.

لم أكن ﻷتكهن أنّ الوطن يحتاج لمثل تلك الجلسة أو حتى التأكد من شخصية من دخل رواق المحكمة وانسل قبل نحو عامٍ من الربيع العربي.

تلطخ ثوبها أم لم يتلطخ، لكننا نتقاسم المسؤولية؛ ﻷنّ اختياراتنا خاطئة، الغربة عن الواقع كما الغيبة عن مدينة أو حبيبةٍ وأخت، كلاهما بالمحصلة واحد.

رفعت الجلسة.

تدعوني للسكون

تدعوني للسكون

بقلم: فرات الشامي

تدعوني إليها

تدّعي أنها تجرجر محبرتي إلى السكون

أحقاً تراها لم تقرأ شيبتي

لم تلاحظ أنني اليوم

شاعرٌ يطرق باب الجنون؟!

*****

مذ عرفتها

وأوراق عمري مبعثرة

حكاياتي أشبه بالصقيع

والحروف المرسومة فوق شفاه الليل

كالجمر

بل لهيب

أتدعوني حقاً للسكون؟!

*****

مترعٌ أنا بالحزن والنشوة

أحمل كل التناقضات

ألقيها أمام عتبة شفاهك

ألم تسمعي ذاك الشغب؟

أنسيتي صخب حروفي؟

محالٌ أن يلجأ مثلي إلى السكون

فأنا

فأنا رجلٌ شرقيٌّ مبعثرٌ

وجسدٌ متناثرٌ بين أحضان النساء

متشظٍ

وعدد الشظايا يفوق سنواتي الثلاثون

حبيبتي

******

أتدّعين أنك السكون؟!

أتدّعين بأنك سفينةٌ سترسو

على ضفاف الشوق؟

ما عرفتني إذاً

أقرأي كل سطوري العتيقة

حرري خصلات شعرك وانثريها تلك السوداء

غوصي أكثر في القاع

فأنا يا حبيبةُ

بحرٌ مضطرب اﻷمواج

ثورةٌ أنا

بل حتماً … مجنون

وﻻ لن أستكين

واجهي فقط ثورتي

واشتياقي لتلك السويعات

التي توسدتُ تربتك مساءً

ﻻ تطلبي المستحيل

ﻻ لن ألجأ للسكون

لقد أقسمت أنْ استحوذ على

عينيك

شلال شعرك المنثور

كل تفاصيل الجسد المأسور عنوةً

كفاك دعوتي إلى السكون

همسات

العار الأسود

“لا حضور للشرف كحكم مسبق إلا في الحضارات البدائية،
إنه يختفي مع مجيء الوعي”
اميل سيوران

في السر يمتلك اللحن غيبوبة
ك امرأة من أشراف القبائل
تبحث عن عار خائف
لحن متكامل لرغبة عمياء
يجاهد في غناء أخرس
تسحب أقدامها الحافية
برقصة مشلولة بالوهم
تتوضأ عجالاً دون اعتقاد
فالشرف وسام التقليد
والعبادة قربان حلمها
في السر تفتح الجديلة أوتارها
تخيط الستر بشمع السرائر
لاشيء في العلن عند أشراف القبائل
ولا لحناً يوافق السيرة العشائرية
ففي السر يمتلك اللحن غيبوبة
ك امرأة من أشراف القبائل
كلما توقف التقليد عن الوأد
جرت أصابعها لخنجر الجاني

أسماء رزوق

لغات الحب الخمسة

لغات الحب الخمسة

بقلم: فرات الشامي

مجدداً احتال على الوقت؛ ﻷكتب من أجل البوح ﻻ أكثر، أنا الرجل الذي اعتاد الحياء في علاقاته مع الزهر، واختار منذ نحو ثمانية عشر عاماً لغة الكتمان، مصِّراً على توصيفه كائناً حبرياً يرسم ملامحه فوق سطور أكف النساء عمداً.

اعترف أنّ اﻻختيارات ليست ملكاً لنا، قد يجلس الحب فوق اﻷريكة المجاورة لمغامراتك يرتل كلماته، عن نفسه، عن شوقه، عن همومه، طموحاته، وقائمةٍ طويلةٍ من اللاشيء، في تلك اللحظة ﻻ تمتلك إﻻ اﻹصغاء إلى نبرة صوته الذي يتحدى صمتك… حتماً أنت أمام الرغبة في امتصاص تفاصيل الوجه والهمس.

في تلك الدقائق يستحيل أن تُخرج القلم الرصاص من معطفك العتيق الممزق؛ لترسم ملامح الوجه على وريقاتك المتناثرة بين المسافة التي تفصل الجسدين… وتشي باقتراب الوداع والتلويح بالنهاية، قبل أن تكتمل في ذهنك كل التفاصيل التي تحتاجها يوماً ما، في موطنٍ آخرٍ تأوي إليه مرغماً مع بعض أشيائك، وشيءٍ من السكون الذي تدّعيه، وحقيبة اﻻرتياب التي تحملها بين يديك… وشالٍ من الشوق تتدثر بها من عطر المساءات التي جمعتكم فوق سحابة حلمٍ راودك عن نفسك.

ثمة وطنٌ يجاورك، وداخل حقيبة ذكرياتك حقائب من اللغات الخمس المحكية، جميعها تشي بجنونك تلك اللحظة، واكتمال الرغبة على طريق النضج الملهم لصياغة “همسات حب” رقيقٍ كنسمة صيفٍ، كحريرٍ يطوق عنق مدينةٍ تعشقها بكل اللغات.

ليس للحب خمس لغاتٍ كما يروي بعض الفلاسفة والشعراء الذين ﻻ آبه بكلامهم وقصائدهم، ثمة لغةٌ واحدة… تبدأ بهمسات العين ورمشةٍ من جفونٍ ناعسة تحتاج أن تدخل الحلم في عناقٍ يدوم إلى ما ﻻ نهاية… وبين اﻷحاسيس المشتعلة وأبدية العناق تنتصر سياسة الوﻻء إليك أيها الساكن بين مسامات الجلد ودهاليز اليقين.

فوق اﻷريكة لا يزال يجلس حلمٌ يقتات من نور الشمعة الخافت، ودفء موقد الحطب المشتعل بالهمس كالموسيقى الشرقية التي تعزف على أوتار عود وثقوب ناي… وأمطارٍ شتويةٍ غزيرةٍ كالرغبة في العودة إلى تلك الطرقات التي غادرناها قبل عامين من اﻵن مرغمين، خلف شجيراتٍ نحتنا عليها أول حروف أسمائنا، ووجهاً أخفينا معالمه.

لم تغادرني… كما لم تغادر أحداً، جميعنا وقف خلف الباب من هول الدهشة، جميعنا لم ينطق بلغات الحب الخمسة مودعاً، كنا فقط نتلقى صدمة الفراق، ارتدينا نعل الغربة، ورداء الحزن الممزق، نسينا كل شيء… بعض الجراحات لم تزل علاماتها غائرةً في اﻷفئدة، وشقوق على الوجه تروي هطول دمعاتٍ سخيةٍ، سكتت حيناً بخديعة الأمل بأننا عائدون… نردد حيناً آخر راجعين يا هوى بلغةٍ واحدة، ومن قال أنّ للحب لغاتٌ خمسٌ فلا تصدقوه.

إنها لغةٌ واحدة… تصل المسافة الموغلة في البعد… تفرض عناقاً فوق تربةٍ حمراء، من أوردةٍ يسقيها فيضٌ من حنان الفرات، وعذوبة بردى.

دمشق بكل اللغات تبقى دمشق… تبقى ديمومةً… محبةً… شوقاً… قوةً… تعلن أنها لغة الحب الأولى والخامسة والأخيرة.