صورة تعبيرية

يوميات قاضٍ منشق2 – طلق زوجته المتهمة لأنها …؟!

يكتبها فرات الشاميخاص الثريا

سيدي القاضي، حضرات السادة المستشارين، المتهمة الماثلة أمامكم هي “زوجتي” التي أرفع مظلمتي أمامكم بحقها، راجياً إنصاف عدالتكم

حبلُ الغسيل المنزلي الذي حمته جدران المنزل ذات يوم، امتد من يمين قاعة المحكمة إلى يسارها، ومن أذن القاضي إلى آذان المستمعين بداخلها؛ وسط دهشة النسوة الحضور، وهتافات الذكور الموالية للزوجهرجٌ ومرج ساد القاعة.

في حضرة الذكورة تصمت اﻷنوثة، معذرةً سيدي القاضي، فمحامي الدفاع عن المتهمة يترك التعليق مؤقتاً، راجياً من عدالتكم أن تسألوا “المدّعيّ” عن مهنته وطبيعة عمل “المدّعى عليها”.

ﻻ أرجع إلى المنزل إﻻ عصراً، منهكاً، إلى حدٍّ أكاد أُجن، لكن “المتهمة“، تجلس مرتاحةً تحت ظلال جدرانٍ أربعة، ﻻ خوفٌ عليها وﻻ هم يحزنون.

يسير المدّعي، متنقلاً بين الحضور، مستدعياً شهوده من الذكور، والكلّ منهم يصفق لكلامه بغرور، تأييداً وعلى وجههم يرتسم حبور.

يا سيدي أنا أعمل، وزوجتي بلا عمل، إنها فقط “ربّة منزل”أنا بدوامٍ جزئي، وهي غائبة عند عودتي… دون عمل.

يؤكد الشهود أن زوجاتهم بلا عمل!! يقسمون اﻷيمان المغلظة.

حضرات القضاة، حضرات المستشارين، إنها تستيقظ صباحاً في الخامسة تقريباً، لتبدأ بتنظيف المنزل قبيل إعداد وجبة الإفطار، فتلك مهمتها ﻷنها “امرأة”، وبعدها تذهب برفقة الصغيرين إلى مدرستهم ﻹيصالهم، فهي لا تعمل، تمضي بطريقها إلى السوق-إنه قريبٌ من المنزل تقريباً-تتبضع وترجع لإعداد وجبة الغداء في المطبخ، فهي يا سادة تؤدي عني تلك اﻷدوار، ﻷني مشغولٌ وهي “ﻻ تعمل”.

تنهي تحضير الطعام… تغسل الثياب، تنظيف اﻷطباق، تخدم اﻷطفال، تأخذهم إلى سرير النوم، ريثما ارتاح مساءً على الكنبة؛ من تعب العمل طوال اليوم… جسدي يحتاج الراحة، وكما تعلم سيدي القاضي، زوجتي ﻻ تعمل.

سيدي القاضي حضرات السادة المستشارين، موكلتي تقول للمدّعي، من داخل قفص التهمة، “من فمك أدينك”… فاصغوا السمع إليها.

همساً رقيقاً… تصحبه أناتٌ حيرى من الموقف… أنا يا سيادة القاضي، امرأةٌ عاملة بدوامٍ كامل، وزوجي باعترافه يعمل بدوام جزئي، إنني الزوجة والعشيقة، اﻷم، والطاهي، المدرِسةُ والمربية، الطبيبة والممرضة والدواء… المستشارة في الأزمة، الحضن الدافئ في المحنة، لم أحصل على يوم إجازةٍ واحد…!!

يا سادة إني خادمةٌ يسعدها القفص بين جدرانٍ إسمنتية مدماكها المحبة والعطاء… خلقني الله تعالى سكناً وقال في كتابه الكريم “ومن آياته أن خلق لكم من أنفسكم أزواجاً لتسكنوا إليها. وجعل بينكم مودةً ورحمة إن في ذلك لآياتٍ لقومٍ يتفكرون... أترك الفصل لعدالتكم.

حكمت المحكمة حضورياً، أن يراجع الزوج نفسه، وأن يطلق ذكوريته طلاقاً بائناً ﻻ رجعة فيه، بعد أن تبين وتأكد للسادة القضاة والنيابة العامة باﻹجماع، ما قاله أجدادنا، “المرأة كالملح، قد لا يتذكر أحدٌ وجوده، ولكن غيابه يجعل كل الأشياء دون طعم.

رفعت الجلسة.

Comments are closed.