حين يبتلع المجتمع رجاله لصالح النساء!!

حين يبتلع المجتمع رجاله لصالح النساء!!

بقلم: فرات الشامي

قدم الفتى فنجان قهوةٍ لخاطبته التي تكبره بعامين، ارتجفت أصابعه خجلاً وهي تنظر إلى وسامته، طأطأ رأسه أرضاً، وارتسم احمرارٌ ذكوريٌّ على وجنتيه، ثم جلس بعيداً على اﻷريكة، يضم قدماً فوق اﻷخرى وتكاد ركبته من الحياء تلامس اﻷرض… شرطه الوحيد للزواج ان يترك مقاعد الدراسة ويتفرغ لتدبير المنزل، فرحته كانت كافيةً لتوزع على الشارع العربي من المحيط إلى الخليج… لن يكون عانس!!

أمام نافذة المخبز جمعٌ غفيرٌ من النساء يتوسطهن بحياءٍ ذكرٌ يبلغ العقد الثاني من عمره، يمشي على استحياء، تصرخ إحداهن بلهجتها العامية الدمشقية، “شو ما في ببيتكم نسوان يا حباب؟!!”، وأمّا تلك البعيدة ممسكةً سيجارةً تنفث دخانها في الهواء؛ فتقترب منه تلاطفه وتتحرش به، مبدياً خوفاً وتمنعاً، بينما تبعدها أنثىً أخرى، وتصرخ في وجهها، “يلي استحوا ماتوا!!، ولك مو عيب، ما بتخافي على عرضك، ما عنديك إخوة شباب بالبيت!!”، تأخذ منه النقود، تطلب منه الوقوف إلى الجانب اﻵخر من الرصيف، تشتري له “ربطة خبز”، وتهمس في أذنه، “خلي أختك تجي ع الفرن المرة الجاية، مجتمعنا أنثوي فهمت ما؟”… هزّ رأسه ومضى ودمعته من وقتها لم تفارق وجنتيه.

معظم تلك الحالات قابلة للحدوث التدريجي، وقد رأيناها في العاصمة دمشق، إلى حدٍّ ما يوم كانت خالية من الشباب، ﻷسباب أمنية، قبل تهجيرنا إلى إدلب، مع فارقٍ أنّ سبباً سياسياً ورهبةً دفعت الرجال إلى كهف العزلة، للأسف؛ حتى أننا كنا نتندر قائلين، “دمشق ابتلعت الرجال، والنساء سيطرن على الشارع، لعله يأتي اليوم الذي يطلبهم فيه النظام السوري إلى خدمة العلم؟!”.

وأذكر أنني في بداية العام 0002 كنتُ موظفاً حكومياً، في إحدى الدوائر التابعة لوزارة الثقافة، كنت الشاب الوحيد في غرفة مؤلفة من ثمانية عشرة أنثى بأعمارٍ متفاوتة، جميعهن كنّ يؤكدنّ لي أني “آخر الرجال”، شعرت يومها أني “هرقل”؛ فالسيد المدير في حينها وكما يقال، نسونجي، ولوﻻ فضل الله ومن ثم ثقل “الواسطة”، لم يكن ليقبل بوجودي في الدائرة…. على العموم نسبة ثمانون بالمئة من الدوائر الحكومية موظفوها تنتهي بنون النسوة.

سبق أن خططت لكتابة خاطرةٍ عن “هيمنة المرأة التدريجية على المجتمع”، بعد أن انتقلتْ من شعار “المساواة مع الرجل”، إلى المطالبة المتطرفة بما هو أبعد، كنتُ حينها خلف إحدى نوافذ “مقهى الشرق اﻷوسط” وسط العاصمة دمشق، أتأمل فتاةً تنتظر حبيبها، والمطر ينهمر على وجنتيها، يختلط بدمعاتٍ سوداء، وباقة وردٍ سقطت ودهستها بقدميها كأنما تدوس حظها العاثر، حين أحست بالكذبة، ماذا لو كان الموقف معاكساً؟! الحبيب ينتظر على ناصية الطريق حبيبته التي تنسى الموعد، أو تتعمد نسيانه، لتهرول إلى اﻻرتماء في حضن غيره؟!

مازالت تلك اﻷفكار تداعب قلمي، حتى حرضتني زميلتي “حلا” على البوح، وما زالت صورة الفتاة ماثلةً، رغم اندلاع الربيع العربي، الذي أضاف إلى الطريق الواصل بين المرأة والرجل بندقيةً ودبابة تحرس “ذكورية الرجال”، وتلتهم أحلام النساء بمجتمعهنّ اﻷنثوي.

أغلقت سماعة الهاتف بعد دردشةٍ قصيرة مع “حلا”، ﻻنتقل إلى حوارٍ آخر مع زوجتي المنحازة للنساء، ولخيارات المجتمع اﻷنثوي المعتدل، تبادلنا شيئاً من اﻻتهامات، والتراشق بحجارة الذكورية واﻷنثوية، في قارعة الطريق الاجتماعي والسياسي.

استمعت إلى كلماتها واستغرقت بالكتابة والتجاهل، أكدت لها أنّ المرأة وراء كل ما يحدث، برهنتُ لها حين نقلت كلام زميلي الشاعر المصري، عثمان، الذي كنا نناديه “عصمان بيه الصعيدي”، الذي سبق وأكد أﻻ علاقة للفساد المستشري بمصر بما يجري، وأنّ الرئيس حسني مبارك، كان مغلوباً على أمره، مضيفاً، أجمع المصريون أنّ “الريس كان كويس”، ولوﻻ أن تقدمت به السن، وظهرت جليةً أطماع زوجته سوزان، “اللي عمّال تزن عليه كل يوم الصبح علشان يدي جمال الكرسي” لكان اﻵن يجلس في مكتبه كالمعتاد، ويتابع، حديثه أن “كيدهنّ عظيم”، ويختم، وراء كل مصيبةٍ امرأة، “الرئيس زال” لكنّ “نظامه ما زال”.

وكما أنّ وراء كل عظيم “إمرأة” فوراء كل طاغيةٍ سقط أيضاً “إمرأة”، همست في نفسي ساخراً من كلمات صاحبي، ليلى زوجة زين العابدين بن علي، التي يقال أنها نغصت على بن علي حياته حتى تزوجها، ونقلها من ضيق الدنيا بعد أن كانت “كوافيرة شعر”، ليغريها القصر بجني المزيد من اﻷموال، لإشباع حالة النقص والحرمان التي عاشتها، وتلك “أنيسة مخلوف”، زوجة المناضل الطليعي حافظ اﻷسد، والتي يقال أنها تضرعت لله أن تهب حملها اﻷول للكرسي، فأتت أنثى، وليس الذكر كاﻷنثى، فسمتها “بشرى” استبشاراً وتفاؤلاً (وفي الواقع كانت كارهةً لما وضعت)، حتى جاءها “الفارس باسل”، وراح شهيداً، وكسر خاطرها، لكنها لم تعتكف حتى سلمت مقاليد الحكم لصاحب الطول اﻷهيف،”وكل طويلٍ ﻻ يخلو من الهبلِ”؛ فضاع ما وسدته إليه إلى موسكو وطهران مناصفةً.

كل تلك أفكار روادتني عن نفسي، يوم رحت أفكر ماذا لو أن المجتمع العربي هيمنة عليه إمرأة؟!

وأثناء انشغالي بسرد تلك الكلمات فوق طاولةٍ عتيقة أشبه ما تكون بتلك التي اعتدت الجلوس خلفها برفقة صبيةٍ شقراء تميل إلى القامة الفرنسية والهمجية اﻹسبانية، سألتني زوجتي مقاطعةً ذاك اﻹنسجام واﻻنهماك، عرفت غايتها، ارتسمت على وجهي بسمة ساخرة، قبل أن تسألني عن سر سعادتي ومن سعيدة الحظ التي سأكتب عنها ومجمل تلك العبارات ذات الطبيعة اﻷنثوية التي تحمل “غيرةً مشوبةً بالحنق”، أجبتها، “شرطية صفعت البوعزيزي، أضرم النار بنفسه، وأشعل المجتمع الدولي برمته… كان يغار على رجولته، كيف تتوقعين العالم إن حكمته النساء؟!”.

غادرتها، مستذكراً تلك الجزيرة التي وصل إليها مندوزا برفقة استيفن وتاو، في الفيلم اﻹسباني “مدن الذهب الغامضة”، كانت تحكمها النساء، شبه عرايا، ولم يكن فيها رجلاً واحداً، ماذا لو أنني كنت أسيراً يومها، وأنا امتلك من اﻷناقة والجاذبية السمراء الشرقية ما أملك؟! لعلي سأسلم نفسي لمجتمعٍ أنثوي يحكمني إن كان بتلك الروعة، فماذا عنك سيدي، وماذا عنكِ سيدتي؟!

الواقع أنّ “معظم الثورات العربية” ليست ضد “سي سيد”، بل إن خلفها حنقاً من “ظلم الست”.

أكملت السطور اﻷولى التي بدأت بها هذه الكلمات، ﻷستيقظ على صراخ ابنتيّ الصغيرتين “سوزان” و”ليلى”، ضممتهما إلى صدري ضاحكاً، ورغم أني كنت ذات يومٍ من المقربين للسيدة اﻷنيقة الملطخة بعار شراكة القاتل “أسماء اﻷسد”؛ لكنني لم أفكر في تسمية ابنتي الثالثة على اسمها، فقط ﻷني أخاف أن اشتمها يوماً أمام مخبرٍ ما، فأجرجر ورائي أذيال الخيبة، وأصحو مصلوب الرجولة، في غياهب فرعٍ قد أنسى أسمه ورقمه الطويل.

تهمة السقوط ستظل تلتصق بالمرأة، ليس فقط ﻷننا شرقيون… بل ثمة ما هو أقوى في الواقع، اﻷنثى خلقها الله لتكون السكن والأمان في الضيق، مع فارقٍ في طبيعة الرجل والمرأة التي فطرهما الله تعالى عليها، وكلٌّ خلق لسبب؛ ووظيفة… يستحيل أن يحل أحدهما مكان اﻵخر.

ماذا لو أنّ رجلاً حمل جنيناً في بطنه، يستحيل، فالرحم ذكر، وهو مخلوقٌ في قلب اﻷنثى، هذه العلاقة الثنائية بين “المرأة والرحم” معقدة للغاية، تشير فيما تشير إليه “أنّ الذكر تحتضنه اﻷنثى وهو بحاجةٍ إلى ذاك الحضن”، وﻻ يعرف رجلٌ معاني اﻷمومة، والمطلب الحق… في مجتمعاتنا “عدالةٌ وإنصاف”، ﻻ تبادل أدوار.

وللقصة بقية… والشريعة اﻹسلامية على سبيل المثال وضعت قواعد واضحة في معنى “القوامة” يطول شرحها في هذا المقام.

سامحيني سوزان، ليلى، حكمتما فكنتما سبب زوال ملك طاغوتين عجزت رجولتنا عن إزاحتهما؛ فلكم الشكر… وﻷنني أحمل هواجس ذكورية سأبوح لكم سراً، يقال في اﻷمثال، “عندما تحكم النساء تسقط الرجال”!!.

Comments are closed.