قراءة في رواية: الشارع ٢٤ شمالا.

قراءة في رواية: الشارع ٢٤ شمالا.

الكاتبة: إبتسام تريسي.

الناشر: منشورات ضفاف و مكتبة المنصور.

ط١، ورقية ، ٢٠١٧م.

إبتسام تريسي روائية سورية متميزة، مواظبة على الإنتاج، تنتمي إلى الثورة السورية، ما زالت تتناول الواقع السوري، بصدق وشفافية وشغف، وذلك من جوانبه المختلفة، مغطية قرن من الزمان، تمثل مع غيرها من المبدعين السوريين، ضمير الشعب السوري.

الشارع ٢٤ شمالا، أحدث ما كتبت ابتسام تريسي، رواية متعددة الأبعاد، تغطي أحداثها القرن الماضي وتستمر إلى الآن. المكان هو مدينة اللاذقية، والموضوع يختصر بكلمة واحدة: المرأة، ولأنّ المرأة تعني الحياة الاجتماعية كلّها، لذلك كانت الرواية شاملة للحياة في اللاذقية عبر قرن، مع التركيز على الجانب النسوي.

تبدأ الرواية من الحفيدة “وداد” التي تعيش مع جدتها التي تحمل اسمها “وداد” وقد تجاوز عمرها السبعين عاماً. وداد الصبية تعيش مع جدتها في اللاذقية في أواسط عام ٢٠١٥م، الثورة السورية كانت قد حصلت قبل أعوام، والنظام المستبد كان قد قرّر أن ينهي الثورة ولو قتل الناس ودمر البلد، اللاذقية مقسمة ومحاصرة من النظام، بعض أحيائها يتعرض لقصف قوات النظام من البحر والبر، مخيم الرمل الفلسطيني ضحية قصف وحشي، والناس تهرب منه إلى مكان آمن، وداد تنتقل مع جدتها إلى مدينة سلمى في ريف اللاذقية إلى أن تهدأ الأحوال. وداد الجدة تحلم بعودة رشدي حبها الوحيد الذي تحتفظ به في نفسها منذ ما يزيد عن خمسين عاماً، رشدي ابن حيّها الذي أحبها وأحبته منذ الصغر، ولم يستطيعا أن يتجاوزا عتبة المشاعر إلى اللقاء فالزواج، لقد هاجر إلى ألمانيا لكنّه لم يستطع نسيان حبيبته وداد، وداد أيضا لم تتجاوز حبّه تزوجت من غيره وأنجبت، ابنتها تزوجت أيضا وأنجبت حفيدتها، مات زوجها، ثمّ قتلت ابنتها وصال أثناء القصف على مخيم الرمل الفلسطيني، ولم يبقَ لها سوى حفيدتها وداد. الحب ما زال يسكن قلبها، عاد رشدي لعله يحقق حلم حياته بالزواج من وداد ولو وهما في سن الشيخوخة. وداد الجدة مازالت تعيش حياتها وكأنها مازالت تلك الطفلة التي كانت في اللاذقية قبل أكثر من خمسين عاماً.

الجدة وداد أرادت في زمن سابق توثيق حياة النساء في الحياة من خلال رواية بعد ما عانته من اضطهاد على يدي زوجة أبيها ومن ثمّ زوجها، واستعانت لمعرفة ماضي الحي بأكبر سيدة فيه “رقية” ونقلت من مرويات النساء اللواتي يجتمعن في منزل رقية الكثير من الأحداث المهمة التي عاشتها اللاذقية خلال قرن خاصة من جانبه النسوي.

بعد نزوح وداد الحفيدة مع جدتها إلى سلمى ومن ثم إلى سرمدا حاملة معها صندوق الجدة الذي يحوي أهم ذكرياتها والدفتر الذي كتبت فيه روايتها تأخذ الحفيدة الدفتر لتقرأ وتروي حكاية الشارع 24 شمالاً في الماضي والحاضر.

قبل النزوح من اللاذقية تقيم وداد مع صباح أخت جدتها التي عاشت علاقة حب مع زميل الدراسة في دمشق “طارق” الحب الذي بقي مخفياً في روحها ولم يتوج بالبوح واللقاء والزواج، كان حبّاً بالمراسلة بعد التخرج لمدة قصيرة ثمّ انقطعت الرسائل.. بقيت صباح وفيّة لحبّها ولم تتزوج، رحل طارق إلى أمريكا حيث أصبح مدرّسا في إحدى الجامعات، وتزوج هناك وأنجب لكنه بقي على حبه الأول لصباح. بعد مضي أكثر عشرين عاماً التقيا عبر الانترنت وعادت جذوة الحب إلى نفسه، قرّر أن يترك كلّ شيء وراءه ليعود ويعيش حبّه مع صباح، صباح جهّزت نفسها وحياتها كعروس تأخر زواجها عشرات السنين، انتظرت حبيبها أن يأتي، وجاء فعلاً لكنّ النّظام الاستبدادي المجرم كان ينتظره، اعتقله ومن ثمّ قتله وأعلن ذلك عبر وسائل إعلامه افتخارا أنه قتل إرهابيا. وصل الخبر لصباح فكانت النتيجة وفاتها قهراً وحزنا. تستمر وداد الحفيدة بسرد حكاية وداد الجدة التي تعود إلى أصل أسرتها، والدها عاصم آغا صاحب الأراضي والضياع، أمها سعدى، ابنة أحد الفلاحين الذين يعملون عند والدها، لم يستطع والد سعدى سداد ديونه للآغا فأعطاه ابنته بدلا من الديون. سعدى لم تستطع أن تتجاوز إحساسها بأنّها ابنة الفلاح، وأنّها علوية ومنبوذة، وأنها أقرب لأن تكون خادمة من أن تكون زوجة، وتصرفت على هذا الأساس كلّ عمرها، كان عاصم آغا متزوجاً من سكينة خاتم ابنة عمه هي السيدة الحقيقية في بيت الآغا، سعدى أنجبت وداد الفتاة التي أحست بفارق التعامل بين أمها وزوجة أبيها سيدة القصر، وسرعان ما يتزوج الآغا من نسرين ابنة أحد الأثرياء في اللاذقية، فتسيطر على الآغا وعلى القصر وتعزل نساءه الأخريات وتعاملهنّ بمهانة، وداد ستكبر في الحي ويكون رشدي ابن حيّها ومنذ طفولتهما مشدودين لبعضهم عاطفيا، لم يستطع هذا الحب أن يتحول إلى علاقة فزواج، سيمر عليه عمر، الحب يكبر. تُزوّجُ وداد من شقيق نسرين سيدة القصر وتنجب صبية ستكبر وتتزوج وتنجب وداد الحفيدة التي تعيش مع جدتها الآن، الجدة التي تنتظر عودة حبيبها ولو كان عجوزا، ليكمل حبهما بالزواج، حين يعود رشدي يفاجئ بوداد الحفيدة ويختلط عليه الأمر حدّ الظن بأنّها حبيبته التي لم يفارقها الشباب وحين تطلب منه أن يرافقها لزيارة جدتها في المستشفى يشتري الزنبق البحري الذي تحبّه وداد ويذهب معها لكنّه في اللحظة الأخيرة يكتشف أنّه يريد الاحتفاظ بوداد الصبية ولا يريد رؤية حبيبته بعد ذلك الزمن فيغادر المستشفى من دون أن يراها.

في دفتر وداد الجدة تأريخ للحب الذي عاشته في اللاذقية، قصة كل بيت وكل امرأة في حياة تكرر ذاتها، نساء معلقات على أمل حب حقيقي يعشنه، وواقع حياة مغلقة على البيت ومشاغله والمنافسة على الرجال، وعالم المكائد العدائية؛ المرأة للمرأة، والرجال الذين يمتصون رحيق النساء ويظلمونهنّ، النساء اللواتي يعشن حبّاً حقيقياً لا يتحقق، وواقع مظلم، وصراعات صغيرة بينهنّ لكنّها تملأ حياتهنّ، ومع ذلك يتكيفنّ معه. عشرات النساء يجلسن على منصة البوح في الرواية في دفتر وداد الجدة، كلّ ما يعشنّه حقيقي ومؤثر قليله مفرح أغلبه مؤلم، لكنّه كلّه ينساب في نهر الحياة العادية اليومية، لم تخبرنا وداد الجدة في دفترها عن الفرنسيين أيام الاحتلال في اللاذقية، وكأنهم غير موجودين في البلاد، سنعلم المتغيرات في البلاد بعد الاستقلال، نساء الرواية يحببن شكري القوتلي أول رئيس للجمهورية، وكذلك سيداعب خيالهن عبد الناصر بصفته بطلا ورئيسا لدولة وحدة لم تعمّر كثيراً. سيبدأ اهتمام النساء بالسياسة عندما تبدأ منذ سبعينات القرن الماضي موجة الهجرة من الريف -الجبال- إلى المدينة، تمتلئ اللاذقية بأبناء الحكم الجديد. لقد انتقل العلويون من مستخدمين عند أهل المدينة ليصبحوا هم السادة أولاً بأول في اللاذقية، وفي سورية كلّها بعد حين. حضروا إلى المدينة ومعهم معاول التخريب على شكل مخططات ليس أولها تبليط البحر ولا إزالة الحدائق، ولا تغيير نمط العمران، لقد قتلوا المدينة التي كانت، وبنوا لهم مدينة على هواهم ولتحقيق مصالحهم. نساء الرواية لم تنتهِ مشاكلهنّ مع المتغيرات التي جاءت بالعلويين إلى المدينة فقط، بل بخسارتهنّ أولادهنّ عبر الاعتقال أو القتل، وذلك في أحداث ثمانينات القرن الماضي حيث الصراع بين الإخوان المسلمين والنظام، والحراك الوطني الديمقراطي أيضا، كان الأثر كبيراً على نساء المدينة. وسرعان ما تتكرر مأساة المدينة مع أحداث الثورة السورية التي قامت في أوائل ٢٠١١م، لم يتغير حال النظام بل ازداد وحشيّة وعنفاً بحق الشّعب والناشطين، والناس بدؤوا يرحلون من مدن إلى أخرى بحثاً عن الأمان، والبعض الآخر رحل خارج سورية للحفاظ على الحياة. وداد الجدة والحفيدة، ينتقلنّ من اللاذقية إلى مدينة سلمى في ريف اللاذقية، ويصل القصف إلى سلمى، تحاول وداد الحفيدة أن تهرب بجدتها إلى تركيا، تستطيعان العبور إلى تركيا بعد محاولات عدة أصيبت الجدة أثناءها بالشلل واحتاجت إلى كرسي متحرك. ستكون تركيا نهاية مقصدهنّ. تلتقي وداد الجدة هناك ببعض صديقات الماضي الممتلئ بالذكريات، وتموت بعد سنة تاركة وطنها وذكرياتها هناك في الشارع ٢٤ شمالاً في اللاذقية.

هنا تنتهي الرواية، وفي تحليلها نقول: إننا أمام رواية نسوية بامتياز، تكاد تكون سجلاً موثقاً عن حياة المرأة في عشرات السنين، في حيز اجتماعي وتاريخي معين، بكلّ تفاصيله وحميميته المتشابهة والمختلفة، (تناولت أساليب العيش واللباس والطعام والتقاليد) إنه توثيق لحياة يجب أن تُعرف، وواقع يجب أن لا يطمس، وتأريخ اجتماعي لواقع المرأة، حيث كانت المرأة كلّ الوقت تسكن في ظلمة وظلام الجهل والتجهيل.

والرواية تتعاطى مع ما حصل في سورية عبر عقود وفي ظلّ الاستبداد، دون حشر وتصنع وضمن سياق الحياة، وعلى مبدأ إنّ اللبيب من الإشارة يفهم، ووقائع الحياة أكبر دليل، لقد هرب أهل البلاد السوريون وتركوا وراءهم كلّ شيء للحفاظ على الحياة، هل هناك أشدّ ألماً وقسوة وظلماً من ذلك؟!.

في الرواية انتصار للحب بصفته أسمى ما يعيشه الإنسان تجاه الإنسان، والمرأة تجاه الرجل وكذلك العكس، لكنّه كان حباً مستحيلاً دوماً، الحبّ المستمرّ هو الحبّ الذي لم يكتمل، بينما واقع الحياة عنى الغيرة والحسد والظلم والإساءة، بين النساء والرجال، وبينهم كلّ فئة على حدى، لقد انتصر الجانب الوحشي ابن الغابة على الجانب الإنساني في مجتمعاتنا، على الأقل إلى الآن، بالطبع إلاّ ما ندر.

الرواية تنتصر لإنسانية الإنسان من حيث انتصارها لحق الحبّ والخيارات الحرّة والعيش الكريم، لحق الإنسان بالحريّة والعدل والحياة الأفضل، وذلك عندما تفضح الاستبداد والظلم والنّظام الطائفي المجرم.

أحمد العربي

Comments are closed.