كلمة هيئة التحرير- المطرقة ومدور البراغي

المطرقة…ومدور البراغي

 ثمة عقلان في السياسة، المطرقة المؤمنة بالصدم العنيف، وهي فعلا ترص كتلة الأخشاب لكنها قليلة التماسك ومؤقتة، ومدور البراغي الذي نسميه مفك البراغي رغم أنه مدورها فكا وتركيباً ، هذه العقلية الثانية تعتمد التدرج في الدخول والاستقرار وتثبيت الألواح المختلفة.

وثمة عقلان في التغيير، عقلية المطرقة الثورية صاحبة الانعطافات الخاطفة غير المهادنة، وعقلية مدور البراغي الإصلاحي التدرجي الذي يعرف أنه مع كل دورة ينجز استقرارا نافعا لدورته القادمة ويجعل فرصها أوفر .

لكن الحياة ليست بكل هذا الوضوح والنزاهة، وحتى مع لغة البراغي فقد نلجأ أحيانا للغة المطرقة حتى يعلق في الخشب ثم الى المدور حتى يتعشق أكثر .

رددنا كثيرا أن حامل المطرقة ينظر الى المشاكل على أنها مسامير من هنا تميل الدكتاتوريات للغة المطرقة بمعناها الحسم-العنف-الوصاية على الجمهور، وبالفعل ان كان الجمهور مسامير فما الحاجة لأخذ رأيهم حول سياسة الدق على رؤوسهم؟.

ورددنا بالمقابل أن السياسة علم وفن وباستقراء سلبي أنها قذرة وتميل للكذب واللف والدوران

اذ يتخيل البرغي أنه ينجز عمله بذاته بتلك الرقصة المولوية في حين يبتسم المدور بصمت وهو مرتاح لقناعة البرغي، اذ هو الذي يختار له المكان وسرعة اللف ثم تثبيت الكتفين بشكل نهائي.

برنامجان مختلفان في معادلة التغيير، تدريجي طويل عبر الدوران الهادئ غير الانعطافي ودون قطع مع مرحلة سابقة وهو اصلاحي بهذا المعنى، وآخر خاطف سريع يريد قلب التراكمات الى نوعية مختلفة كليا عن السابق لذلك هو قطعي نافذ ولا يسمح بالبقاء على تواصل مع السابق وهو برنامج ثوري بغض النظر عن صلاحيات النتائج للمرحلة الجديدة.

بين البرنامجين جسور تواصل ومسارب افتراق بحيث يبدو من النادر اعتماد أحدهما فقط طوال مراحل الإدارة وهنا يأتي الابتكار وخصوصية الزمان والمكان لتحديد تلك المراحل المطلوبة للقطع والأخرى المطلوبة للفة البرغي الهادئة مادام النظر معلقا على مستوى أعلى من استقرار العيش والسكان وتنمية مواردهما.

وعليه كل سياسي وعامل في المجتمع المدني واداري وراعي أسرة يمكنه أن يتبنى استراتيجيات توفيقية -غير تلفيقية – بين المنهجين لأن ذلك يساعده حتما على الأداء فيما لو كانت دوافعه الأصيلة النجاح ضمن دائرة عمله.

أسوأ الخيارات حين تغوينا المطرقة في زمن الإصلاح أو نبدي ايمانا بالإصلاح في زمن يحتاج للقطع ، الأخطاء هنا قاتلة سواء ارتكبها نظام أو ارتكبها جمهور يعارض ذلك النظام، فالنتيجة هنا هي ذلك الخراب الذي يخلفه الفيل في مصنع الفخار على حد تعبير الكواكبي .

هيئة التحرير

Add a Comment

You must be logged in to post a comment