كلمة هيئة التحرير

بين طحنها وتحنيطها… الذاكرة السورية تواجه خطرين

بعد ألوف الواقعات والمعارك مختلفة الأحجام وحروب الوعيد والإعلام والإقتصاد والبنى المدنية، ثمة حرب على الذاكرة، إنها تستعر رويداً مع انها لم تنطفئ لحظة خلال نصف قرن، لكنها وهي تستمد حطباً مشبعاً بالبارود مصدره الصراع غير المنته في البلاد ستحوز واجهة السنوات المقبلة، هي حرب السرديات المتنازع عليها تاريخيا والموبوءة اليوم بخطاب كراهية متوحش أقل ما يفعله أنه يحيط كل سردية بفقاعة سميكة من الانغلاق ليكون صراخها فرديا كما كان صراعها فرديا .

ليس من صراعات بلا مشكلات ذاكرة ، وليس من ذاكرة بلا سرديات متناقضة ، وليس من سرديات مؤهلِة للسلام اذا لم تتجاوز قهرين متربصين : قهر الطحن وقهر التحنيط لأن أي انزلاق في أحد الاتجاهين فالنتيجة المتوقعة دروس غير مستفادة وعتبة أعلى في صراع أشد وحشية.

أما التحنيط فهو بناء المستقبل وفق وقائع الماضي وعبر بوابات الماضي بحيث يغدو أسيرا له على الرغم من كل التحولات التي عبرت الزمان والمكان ان ذلك أشبه بالإصرار على ارتداء المعطف السميك ذاته صيفا بحجة البرد ، دعونا نقارن صراعات الثمانينات باليوم لنجد أن تحنيط الذاكرة كان جليا في ادارة ديناميات الصراع ، مع فارق وحيد هو حجم الكارثة. الأعلى بما لا يقاس اليوم .

وأما الطحن فهو بناء المستقبل في قطيعة كلية مع الماضي وهو طمر الوقائع واعتماد مفهوم قلب الصفحة ، وأعتقد أن مثالنا المقارن السابق يصلح هنا أيضا للتوضيح. 

هل هما توضيحان مثقلان بالتناقض؟ ربما فالحرب ذاتها مثقلة بالتناقض، والحروب الداخلية أكثرها ثقلا بذلك لأنها تفقد في الكثير من الانعطافات مضمونها وشكلها  ومن هنا بالذات تصبح السرديات مواد اشتعال إضافية اذا لم نقيها شرور الانزلاق بين طحن وتحنيط.

مالعمل اذن كي ننفذ الى المستقبل مع خلاص منتِج ومضمون من ارث الماضي ؟

أعتقد أنه تم الكثير من العمل النظري لمؤسسات سورية مختلفة حول ذلك، وصدرت عشرات من الدراسات والأوراق تنال رؤى قانونية وحقوقية واجتماعية وفي بناء الدولة . مايلزمها اليوم هو شغل أعمق على الأدوات ، أدوات من نوع كيف وأين ولماذا وكم …الخ. وفيما لو نجحت مؤسسات العمل المدني السورية بتنظيم هذه الأدوات مع اختراق للسرديات السابحة في فقاعات مغلقة وكسر تبوغها، سيمكن بالضرورة تحقيق شرطنا السوري للتوازن بين التحنيط والطحن، ويمكن لطي صفحة الماضي أن يكون محمياً بعدم العودة اليه أقله في مراحل هشة وقلقة من فقدان الهوية الوطنية وما يتبعه من فقدان للقرار الوطني كالذي نعيشه اليوم.

هيئة التحرير

Comments are closed.