فوضى العالم

فوضى العالم

ينتظم العالم في مسار الفوضى عبارة بتنا نسمعها وهي بلا معنى ككثير من عبارات تنتمي للفلسفة وتقدم إيحاء عاليا بالعمق والدلالات لكنها فارغة من المضمون فهذا العالم لم يتخل يوما عن فوضاه إنها وسيلته الكامنة للجنون على طريقته.

منذ حربين كونيتين تسلل الرعب الى العقل البشري فقد اكتشف أن آلاته التي ابتكرها ليست ودودة، وبدل تغيير نهمها للموت أنتج أجيالا متعاقبة من آلات أمضى فتكا، كان يعالج الرعب بالرعب المضاد وكان شيئا جنونيا أقرب لمزاد تصاعدي يحمل مطرقة تحديد إرسائه الموت ذاته.

لم ترتقِ الإنسانية وقتها لتكون ملك البشرية بل كانت سلعا للتجميل مساحيق وظلال وألوان ضيقة القياس يفصلها المجتمع الأول على مقاس طبقاته الأولى ويشجب بأعتى العبارات طبقاته الثانية غير المتحضرة، أما باقي المجتمعات الثانية والثالثة والخامسة فكانت جديرة بالحضانات الدولية فهي دون مرحلة البلوغ.

ولا تجد الصورة اليوم ذات فارق كبير اذ استمرت الوصاية القسرية وتسيير شؤون العوالم مادون الأول ولكن مع وقاحة أوضح وإغراق في الاستعلاء وشيء من جرأة اللص وجبن الضحايا، انها صورة الفوضى العصرية لمجتمعات الأتمتة، نعم تطورت المقاييس للحديث عن نانو ثانية ولكن الهدر البشري يكاد يودي بالكوكب بلا أي حسيب، فتلك الآلات العملاقة التي جاءت كاستجابة للفزع لم تنتج اطمئنانا بل فزعا أكبر ، هكذا هو الجنون الذي لا ينفك يتوالد ذاته دون داعٍ.

على مسارها الطويل حاولت البشرية نسج إنسانيتها في العلوم والأديان والفلسفة، لكن هنا أيضا تسلل فكرها الصبياني المرتكز على الفزع فكان بارود نوبل وما يزال كنز العنف وما قدرت جائزته إعادة ضحية واحدة ، وهناك آلاف الحروب المرتكزة على مرجعية دينية وكانت الفلسفة تقطر تمييزا وكراهية هكذا يمكن للمراهقة الإنسانية أن تودي بالأشياء عظيمة النفع لتكون خرابا والدفاع حاضر للتبرير:  “لم ننضج بعد”.

البشرية لم تنضج بعد، هي الأخرى عبارة بلا معنى لأنها ستكون حجة القتلة لتعظيم الرعب وحجة السياسي للاستبداد وحجة المدرس لتهميش الابتكار لدى طلابه، في حين أن تلقائية البشرية تتعاظم لتكون أكثر طبيعية وأقل توحشاً لأن حدود تصنيف العوالم تنهار ما يلزم فقط مزيد من الدفع وعدم الخوف من جنون العالم. 

هيئة التحرير

”في أعماق كل فنان طفل صادق بهذا المقدار ، طفل لا يحتمل ما تعودنا على احتماله ،
طفل يبكي حين يتألم و يصرخ حين يجوع و يغضب حين يهان و يجن حين يجبر على أن يحيا حياة الحيوان”
ممدوح عدوان: مقدمات دفاعًا عن الجنون

Comments are closed.