سندريلا: الوجه الحقيقي للفتاة الانهزامية

سندريلا: الوجه الحقيقي للفتاة الانهزامية

بقلم: هديل الشامي

================

أمنيات زائفة عاشتها الفتيات على مر السنين، وكبرت بداخلهن مفاهيمٌ مغلوطة عن الحب الحقيقي والعيش الرغيد، فقد شكلت ثقافة الأميرات جزءً مهماً من العالم الخيالي للفتيات الصغيرات، ولطالما بحثن عن حياة مماثلة لحياتها غير الواقعية أصلاً.

من هذا المنطلق؛ علينا النظر في هذه الحكايات الخيالية الجذابة المبهرة، والنظر في خطورة محتواها الذي أثر ومازال يؤثر على تكوين شخصية فتياتنا الصغيرات.

شخصية ساندريلا التي تمثل المحور الأساسي في الحكاية الخيالية والتي تحمل العبرة للقارئ فتتأثر بها صفاته وأفعاله، نجد أنها لم تتجاوز حد الانهزامية والخنوع.

محيط عاشت به سندريلا الفتاة الطيبة حد الغباء، لا يمت لعالم الواقع بصلة، وحياةٌ لم تصنع فيها أي انجاز أو قيمة، ولم تحاول حتى الثورة على الواقع المؤلم الذي عاشته، بل ارتضت أن تكون مسلوبة الإرادة غير قادرةٍ على التغيير.

فبينما كانت الظروف تعاند الفتاة الطيبة الجميلة “سندريلا” كما ظهرت في القصة، والظلم غير المحتمل من زوجة الأب وابنتيها المتطلبتين القبيحتين الغيورتين، كيف كانت ردة فعلها وما الطريقة التي تجاوزت بها مشكلتها ومعاناتها؟

خيار الاستسلام والخضوع للظروف غير الواقعية التي مرت بها هو الخيار الذي ارتضته لنفسها، ولم تحاول الخروج من ذلك الذل والعبودية.

وحدها الحلول السحرية الخارقة للجنية الطيبة هي التي منحت الفتاة الانهزامية الخانعة الخلاص، ولكن حتى تلك الحلول الخارقة لم تكن تحمل سوى معانٍ بغيضة، فاليقطينة التي تتحول لعربة خارقة والفئران الذين تحولوا لأحصنة لا يحملون سوى معنى الثراء الفاحش والنسب الرفيع الزائف، ثوب ساندريلا المبهر والرقصة التي لم تدم بضع دقائق… هل كانا كافيان ليختار أمير البلاد زوجته التي ستحمل معه هم السلطة والبلاد والعباد؟

وماذا لو توقفنا عند ذلك الحذاء الزجاجي الذي يجعل فرسان المملكة يجوبون شرقها وغربها بحثاً عن الأميرة المزعومة، ذلك الحذاء الذي يحمله الأمير بين يديه فيبكي قلبه قبل عينيه، فهل يصلح لولاية العهد من يبكيه جمال فتاة لم يعاشرها سوى دقائق تحت وقع الموسيقا وهمس الحاضرين؟

الأمير الذي لم يكن إنساناً عادياً على الاطلاق بل كان هو الأكثر وسامة ونبلاً، لماذا لم تبحث أو حتى تتمنى سندريلا الزواج من ابن العمدة أو بائع الورد مثلاً، وهي التي لم تكن تستطيع حتى التفكير بالخروج من براثن زوجة الأب وابنتيها البغيضتين، والتخلص من بؤس الحياة التي تعيشها.

الفتاة البسيطة المنهزمة تختار الأمير الوسيم فهل هي الوصولية وشهوة السلطة؟

تناقضات عشناها وما زلنا نعيشها طالما مازالت مكتباتنا تمتلئ بها.

وأخيراً النهاية المشوهة التي تعزز معنى السعادة المغلوطة بحصول ساندريلا على الأمير لمجرد ملائمة قدمها للحذاء الزجاجي والتحول الغريب والمفاجئ حتى في ملامح وجه الأختين، اللتان تتزوجان من المقربين للأمير بعد كل ما قامتا به من أفعال الشر والخداع.

ماذا لو افترضنا أن رسالة القصة الموجهة أصلاً للفتيات الصغيرات كانت تحمل معانٍ أكثر نبلاً؟!

أعتقد أنّ أجمل الأطروحات أن تكون القصة ملائمة لكل العصور حيث تقدم للقارئات الصغيرات معانٍ إنسانية تحمل بين طياتها عبق الكرامة المسيج بالمحبة على الرغم من ألم الواقع بحيث لا تخرج عن الواقعية، ماذا لو أنه تم تقديم النص ذاته بحبكة أخرى:

زوجة الأب الطيبة التي تظهر بمظهر الأم، والتي تحنو على ابنة زوجها بعد أن فقدت أمها، الأختان يتعلقان بالأخت الكبرى التي تعتني بهن وتقرأ لهما قصصاً وتلاعبهن، بائع الورد مثلاً حين يتقدم لخطبة ساندريلا، مشكلات تواجه حياتها وحياة الأسرة ربما لكن تحل بالحكمة والنضج. دور أصدقاء ساندريلا الحقيقيون في حياتها بدلاً من الفئران الخارقين ذوي المشاعر المرهفة.

لعلها تصبح الأطروحة الأجمل، والقصة الأقرب للمثالية بحلوها ومرها، فتغير العبر في قصص الأميرات الخيالية، هو كل ما نحتاجه اليوم لبناء شخصيات فتياتنا في عصرنا الحديث، حيث تواجه المرأة الكثير من الصعوبات والتحديات التي يجب مواجهتها بواقعية وحكمة.

Comments are closed.