كيف نستثمر في الحب علاقاتنا؟!

كيف نستثمر في الحب علاقاتنا؟!

بقلم: فرات الشامي

“حنين الرجل إلى المرأة حنين الشيء لنفسه، وحنين المرأة إلى الرجل حنين الشيء لوطنه”. ابن عربي.

يكاد يستحيل أن تخلو  العلاقات اﻹنسانية من الحب، غير أنّّ السكينة واﻻستقرار تنسل من بين أيدي المحبين والعشاق على غفلةٍ، فيشكو الطرفان من القطيعة؛ وتحوّل المودة إلى ركنٍ قديمٍ في الذاكرة، مغطىً بمزيجٍ من المبررات المنطقية والساذجة، من الرجل والمرأة.

تنتهي تلك العلاقات ببطءٍ تدريجي إلى ما يمكن أن نصطلح عليه “طلاقاً عاطفياً”، تصبح بعده “الحميمية” مجرد فعل “اعتياد”، وحاجةً مكملةً للبقاء؛ كالماء والهواء… ولعل معظمنا ﻻ يركن إلى القناعة التي انتهينا إليها في هذه الجملة القصيرة، والمؤلفة من اﻷركان الثلاثة؛ “البقاء، الماء، الهواء”.

وبمعنىً آخر؛ لو أنّ الطرفان اكتسبا وعياً دقيقاً أنّهما بالنسبة لبعضهما كحاجة الناس وعشقها للهواء أو الماء ﻻستمر منطقياً معه العطاء، وﻷصبح البقاء تحصيل حاصل. يقول جلال الدين الرومي: “للمرأة حضور خفّي.. لا يراه ويهتدي به إلا رجل متفتح عارف”.

ما زلتُ أذكر كلمات أغنيةٍ قديمة لكاظم الساهر، عنوانها “ﻻ تحرموني منا”، يقول فيها، “أنا شلون اتخلى عنك، وأنا عايش من خلالك، أنا شلون اتخلى عنك، وأنا اتنفس من خلالك…”، قد ﻻ يتفق البعض مع مضمون تلك الكلمات، لكنها واقعياً، تحدث إنْ عرفنا كيف نستثمر في الحب علاقاتنا.

إنّ مقدمة بناء تلك الركيزة اﻹنسانية بين الرجل والمرأة، تفترض على الطرفين فهم كلاً منهما للآخر، على أنّ المسؤولية تقع على عاتق “الرجل” منطقياً، هذا ما تأمله “حواء”، وهذا ما يُنضج شعور الرجولة لدى “آدم”.

فكيف تستثمر في الحب يا “آدم”؟!

أو لربما يكون السؤال، “كيف تكسب من استثمار العلاقة مع “حواء”؟.

ﻻ فرق في طرح السؤالين؛ إذا كانت النتيجة واحدة.

أعتقدُ أنّ الزواج أو مقدمته “الحب”-بمفهومه النقي-ليس مخاطرةً تجارية يقتحمها أحد الطرفين؛ فإمّا أن تكلل بالنجاح أو تنتهي إلى السقوط في بئر الفشل، هو ليس كالبطيخة كما يقو العوام، بل على العكس، فقط يحتاج إلى قواعد، فادنو واغترف يا “آدم”، وأنصتي يا “حواء” إلى إيقاع الحياة المتناغم داخل قارورة العسل النقي الذي وصلتُ إليه:

ﻻ تبحث “حواء” في الغالب عن الكثير، هي فقط تريد منك كلمةً طيّبةً، ونظرة حب، وملاطفة وادعة. بل إن أكثر ما يشعل نيران غضبها الإهمال؛ أن تكون بعيداً عنها روحياً وجسدياً… بعيداً عن تفكيرها، مُهملاً لمشاعرِها وأحاسيسها.

تصبو “حواء” إلى معاملةٍ من نوعٍ مختلف، ممزوجةٍ بذوقٍ عالٍ، ﻻ يخلو من البساطة، ما زلتُ أذكر كيف غنى كاظم الساهر، كلماتٍ تقول، “بيت على قد أحلامنا وعيشا على قد الحال… تغنينا كلمة من القلب… والغنى مو بالمال”، كلانا “الرجل والمرأة” نبحث عن منزلٍ عامرٍ بأعمدة “الحب والسكينة والطمأنينة”، أما الركن الرابع، فذلك تكفل الله تعالى بتشييده والدلائل كثيرة في هذا الجانب.

إنّ من معاني الحب والزواج العظيمة؛ أن تشعر بمن تحب إن كنت في أدغال أفريقيا، وكانت حواء الحبيبة في بلاد الأسكِيمو،  تشعُر بِها رغم المسافة، تقترب منها دونَ أن تراها؛ إنه الكلمة الطيبة، واليد الحنون، تحيطها وتسورها النظرة الرحيمة، وفي سورة الروم آية: 21: “وَمِنْ آَيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجاً لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً”… ما زلتُ أحفظ عن الشيخ محمد متولي الشعراوي قوله في خواطره القرآنية، “السكن، المودة، الرحمة”، ثلاثُ أعمدة، إن أقمتها أيها الرجل أقام الله تعالى العمود الرابع، إذ ﻻتبنى البيوت إﻻ على أركانٍ أربعة”.

قدّم لها  الدفء… ليس دفء الفراش، إنه ذاك اﻹحساس النابع منك تجاهها في إحاطة أزماتها وتسكين مشاعرها، أشعرها بكينونتِها؛ فهي تعشق من يحترم ذاتها وعقلها … توِّجها ملكة في قصرك… إمنحها اﻹحساس بالرجولة والعناية، والعب بصدقٍ دور “اﻷب، اﻷخ، الصديق، والسند”، يقال في المثل الذي تؤمن به حواء، “ظل راجل وﻻ ظل حيطة”.

اﻻستثمار في الحب للمرأة يحتاج قدوةً، لعلي أقدمها وصفةً سحريةً تعيش أجواء العشق فيها والرومانسية التي تطمح إليها، ومن داخل بيت النبوة، أشياء تدخلك أجواءً عجيبة قد تدهشك يا آدم، لكنه محمد -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم- كان يفْعَلُها، سبقني وإياك إليها.

فمن لطيف معاملته -صلى الله عليه وسلم- لزوجته أنه كان يشرب من موضع شربها، يوماً ما كنتَ في زيارةٍ إلى بيت حبيبتك/خطيبتك، تمنيت لو تلمس شفاهك وضع شفاهها… فأنصت إلى كمال تلك الحادثة، عن عائشة رضي الله عنها قالت: “كنتُ أشربُ وأنا حائضٌ، ثم أُنَاوِلُه النبيَّ -صلى الله عليه وسلم- فيَضَعُ فاه على موضِعِ فيَّ فيشرب، وأَتَعَرَّقُ العَرَقَ (تأكل من العظم الذي عليه لحم) وأنا حائضٌ، ثم أُنَاوِلُه النبيَّ صلى الله عليه وسلم فيَضَعُ فاه على مَوضِعِ فيَّ” رواه مسلم.

قال ابن كثير: “وكان من أخلاق النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ أنه جميل العشرة، دائم البِشر، يداعب أهله، ويتلطف بهم، ويوسعهم نفقة، ويضاحك نساءه”. ودونك ما يقوله صلى الله عليه وسلم كما يروي البخاري: “إنك لن تنفق نفقة الا أجرت عليها حتى اللقمة ترفعها إلى فِّيّ امرأتك”…. ما يعني إمكانية اﻻستثمار في الحب حقيقةً.

ثمّ؛ إياك ومعاملة اﻷنثى/الحبيبة أو الزوجة كما الرجل الآلي! بحيث تَنفي عنها إنسانيّتها، فتنسى ضعْفِهَا، وأنَّها شَقيقةُ الروح، غنى قديماً وديع الصافي “يا شيق الروح من جسدي”، تذكّر دوماً أنها أُنْسُ الحياة وبهَجة العُمْر، بل هي آيةُ الجمال. وأنصت للتوجيه القرآني: “وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ فَإِنْ كَرِهْتُمُوهُنَّ فَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَيَجْعَلَ اللَّهُ فِيهِ خَيْرًا كَثِيرًا”. النساء:19 يقول العلامة الجصاص الحنفي معلقاً على هذه القاعدة “وعاشروهن بالمعروف”: ومن المعروف: ترك أذاها بالكلام الغليظ، والإعراضِ عنها والميل إلى غيرها، وترك العبوس والقطوب في وجهها بغير ذنب” أحكام القرآن للجصاص 3/47.

وتذكر كم مرةً حاولت حواء إرضاءك، وتغاضت وغضت الطرف عن أفعالٍ ارتكبتها حرصاً منها على ألا تفقد السند الذي اختارته من بينِ كل أولئك الرجال الذين تقدموا إليها.

من جميل ما قرأت تلك الأسئلةُ البسيطة التي تأملتها ملياً قبل نحو  5 أعوامٍ من دخولي ريحانة الحب والزواج، لماذا… لماذا المرأة، ولماذا وراء كُلِّ عظيمٍ امراة؟ لماذا خلف كلِّ ابتسامات التعساء فرحةٌ ساقتها امرأة؟ لماذ غيّرت وجودك وتفاصيله امرأة؟ لماذا ﻻ كون رجاﻻً ونعترف لها بتميزها؟

يقول رجل الأعمال الأمريكي “جاري ميلر” يصعب العثور على من يقول: “لقد كنتُ خائفاً لدرجة أنَّي أسرعتُ إلى زوجتي، محمد فعل ذلك.. يوم جاءه جبريل، لا بد أنها امرأة عظيمة”.

Comments are closed.