ثنائية الموت/التغريبة السورية

فرات الشامي

ثنائية جديدة يعيشها الشعب السوري، بالمحصلة هي نتاج مأساةٍ إنسانية سببتها الحرب التي فرضها نظام اﻷسد على المدنيين العزل، الموت/التغريبة، وهذه اﻷخيرة دون شك نوعٌ آخر من الحتوف.

الحاﻻت والشواهد كثيرة، وداخل كل منزلٍ أو خلف الجدران اﻹسمنتية قصصٌ وحكايا تضج بمعنى تلك المعادلة ذات الطرفين؛ الموت/التغريبة على الطريقة السورية.

قد ﻻ يعنينا أسماء الأشخاص الذين هاجروا أو هجّروا من شواطئ السحل إلى مرافئ الموت، بقدر ما تعنينا تلك المشاهد التي تدمي اﻷفئدة وتبكي الأعين.

وما بين الطفل “آﻻن كردي” الذي قذفته اﻷمواج في الثالث من أيلول/سبتمبر 2015، وإعلان المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين، مساء أول أمس الخميس 28شباط/ فبراير2019، عن وفاة أكبر لاجئة معمرة سورية في اليونان؛ السيدة ليلى صالح، روابط إنسانية كبيرة، تنم في النتيجة عن أثر تلك المعادلة الثنائية التي فرضتها الحرب على السوريين الموت/التغريبة، ثنائيةٌ لم تستثنِ الأطفال وﻻ العجائز!!

والمتتبع لخبر نعي المعمرة السورية “ليلى صالح” يلفته دون ريبٍ ما أشارت إليه المفوضية السامية عبر حسابها الرسمي في موقع التواصل الاجتماعي “تويتر”: “يؤسفنا سماع خبر وفاة ليلى. أكبر لاجئة في اليونان، توفيت بعمر 112 عاماً”، وأضافت: “كانت تتوق لرؤية حفيداتها في ألمانيا.. لسوء الحظ، ماتت دون أن تتمكن من رؤيتهن”… العبارة اﻷخيرة هي ملخص نتائج الثنائية السورية الموت/التغريبة.

قصة القهر بدأت ولم تنتهِ بالنسبة للسيدة “ليلى صالح” التي عاشت آخر عهد الدولة العثمانية، وعاينت اﻻنتداب الفرنسي والحربين العالميتين الأولى والثانية، غير أنّ المفوضية السامية للأمم المتحدة لم تلفت أنها (السيدة) لم تضطر إلى اللجوء إﻻ في حقبة بشار اﻷسد!!

لم تتمكن من رؤية حفيداتها… تلك حال “ليلى”، لكنها أيضاً لم تتمكن بعد رحلةٍ طويلة من العمر من العودة إلى وطنها سوريا، ولعل الكثير من السوريين يسأل بعد حالتي وفاةِ “آﻻن وليلى”:

هل ترانا نلتقي أم أنها      كانت اللقيا على أرض السراب؟!

الموت كما التغريبة طريقان بنتيجةٍ واحدة، ضحيتها اﻹنسان والوطن، فكم خسر هذا اﻷخير من عقول وسواعد وحكمة.

لحظة كتابة الحروف عادة الذاكرة لتمرر شريطاً من اﻷسماء أنتِ/أنتَ منهم يا صديقي/صديقتي.

ورغم أني ﻻ أزال في الشمال المحرر، لكن رحلة التهجير القسري عن ريف دمشق وطريق الموت الذي عبرنا نفقه تحكمني… هل ترانا يا دمشق نلتقي ويصب الفرات في بردى؟!!

Comments are closed.