في العصيان المدني

في العصيان… وفي العصيان المدني

تنشئ السلطة علاقة بمواطنيهابحيث تضبط نشاطهم العام عبر قوانين عامة لا يشترط تطبيقها بالطرق التي حددتها تلك القوانين ، لأن لدى السلطة من استثناءات ما يجعل التطبيق مرنا لأقصى حد ، أقصى حد أي تبرأ قاتلا مدانا بينما تقوم بسجن عشرات لمجرد همسة في مجلس عام وحتى خاص.

وطالما كان الوضع كذلك فهي سلطة هانئة وتوزع استبدادها بالقياس اللازم لبقاء الانضباط العام كافيا، فان ضعف زادت شدته لتعيد أعواد الكبريت للعلبة او تشعل بعضها وترميها خارجاً.

بمواجهة ذلك ينقسم المنضبطون الى مروحة واسعة من المستجيبين ما بين الالتزام والتشجيع والتحفيز الى القبول الى الصمت الى اخر السبحة وصولا الى الرفض والعصيان.

وهذا العصيان هو الذي يحدد شدة الانضباط من خفته وحتما كلما توسعت دائرة مؤيدي العصيان فستكون السلطة ميالة لرفع شدة الضبط.

يدرك العصيان المدني المقولات السابقة بعمق لأنه يعتبر مسؤوليته تغيير هذه العلاقة بين السلطة ومواطنيها ومفاتيح ذلك الإدراك رهن بتحديد مركزي المواجهة في جبهة السلطة وجبهة المواطنين وحركية هذين المركزين وهي تتفاعل مع مسألة العصيان.

ولكن هل كل عصيان مدني يمكن أن يعيد توازن العلاقة بين جهاز الدولة والمجتمع لابد أن الإجابة المتوقعة هي لا في حين يمكنني أن أؤكد أن العصيان المدني هو القادر الوحيد على فعل ذلك.

تعريف العصيان المدني:

العصيان المدني مصطلح برز في القرن التاسع عشر واخذ مفهومه السياسي من الباحث هنري دافيد ثورو فقد استخدمه في بحث له نشره عام 1849 عندما رفض دفع الضريبة لتمويل الحرب الامريكية ضد المكسيك تحت عنوان ” مقاومة الحكومة المدنية” 

والعصيان المدني هو عبارة عن مصطلح سياسي يدعم حضور العمل السلمي الجماعي الذي يواجه قوانين و قرارات الحكومة ومن خلاله يستطيع الشعب التعبير عن مطالبهم دون اللجوء الى العنف.

يتميز العصيان المدني و يتسم بمجموعة من الخصائص التي تميزه عن باقي اشكال الرفض والمعارضة وتقديم المطالب ومن تلك الخصائص ما يلي:

-عمل يكون بصورة جماعية يتخلله السلم و النظام و الهدف الواحد.

-يعمل العصيان المدني بوعي كامل بعيدا عن الارتجال.

-يتميز بخرق القوانين و الابتعاد عن السلطة.

-يكون العصيان المدني في العلن وامام وسائل الاعلام، وهو يختلف عن العصيان الاجرامي الذي يكون بالخفاء و لاهداف محددة.

-يكون العصيان المدني تحت رساله واحده ولهدف واحد جماعي.

يتم اللجوء إلى هذا الأسلوب السلمي المدني الحضاري عندما تمتنع السلطات ونظام الحكم عن الاستجابة لمطالب عامة للمواطنين التي يتبنّاها الرأي العام أو جزء مؤثر معتبر فيه، وبعد مطالبات بوسائل سلمية مختلفة وتعنّت من النظام الحاكم قد يصل إلى استخدام العنف ضد المواطنين، اما المواطنين فثابتون على موقفهم من العنف حتى اجبار الحكومه على التخلي عنه وتلبية مطالبهم.

قدم غاندي واحد من أنصع تعبيرات العصيان المدني حيث تمكن من حشد أقسام واسعة من المجتمع الهندي للحصول على استقلال بلاده من الاستعمار البريطاني .

في حين لعب العصيان المدني الدور الأبرز فيما يتعلق بالصراعات الداخلية بين السلطات الاستبدادية ومجتمعاتها كنموذج خلع شيفارنادزة بجورجيا وميلوزوفيتش في صربيا وانهاء حكم العسكر في تشيلي ونموذج مصر في 25 يناير والإعلان على العصيان المدني 9 شباط ثم استقالة مبارك بعد ثلاثة أيام. وحتى هذه اللحظة تتصاعد الحالات في السودان والجزائر وربما سترتقي لتبني حالة العصيان المدني.

هذه نماذج عصيان مدني لسلطات استبدادية متوحشة وقاسية وتدفعنا للتفكير من جديد حول سوريا هل مناخات اليوم مؤهبة لهذا النوع من العصيان المدني الواعي وان كان الجواب لا كيف نصنع تلك المناخات طالما الاستبداد لا يقدم حلولا وينحو لنزعة انتقامية ويكرس الفساد كمنظومة إدارة في الحكم ويتابع استغلال جهد الناس وعدم تلبية الحدود الدنيا لحياتهم بحجج جديدة قديمة وهي صموده المفترض تجاه الهجمة عليه.

هيئة التحرير

Comments are closed.