همسات

فوضى عبثية

على طاولة منفردة، جانب السور الخشبي المطل على البحر، لبيت دعوته لضيق يجتاحه، استمعت لبوح كاد أن يمزق صدره..
عن قلة الثقة، الأمل المفقود، الطعن، الخيانة، الحقد، التخوين، الكذب، التهم مسبقة الصنع والمقولبة، وعدم احترام الرأي الآخر..
سرد لي قصة طويلة عن إحدى مشكلاته، وكيف تعامل معها، وعن غيرته الشديدة على معتقداته وأفكاره، وردود فعله التي تحمل ضجيجاً عارماً،
بعضه حقيقي والآخر مصطنع في سبيل تحقيق ما يبغى الوصول إليه..

غاص في البحر بنظرات حائرة، وباغتني فجأة، ما هو رأيك؟
تخيلت نفسي عند خط الأفق، بعيداً هناك، وكم تمنيت أن أكون هنالك حقيقة، حتى أتيح له الفرصة في الذهاب قبل أن يسمع رأيي..
أعادني إلى الطاولة بمفاجأة أكبر!
أريد رأيك بهؤلاء الحثالة ورأيك بقوة ردي عليهم؟
التوصيف جاهز ومنتهي، الحكم صادر ومنطوق، أنك على حق أمر واثق منه مئة بالمئة، انتصارك عليهم وسحقهم تعتبره إنجاز وتحقق،
ما المطلوب مني إذاً؟
تحفيزك وتشجيعك أم تأييدك أم تريدني أن أمنحك أسلحة إضافية لتجهز عليهم بشكل محكم أكثر؟
خالفته بالرأي، وطرحت بعض البدائل البعيدة عن خاطره في لحظتها، حاولت أن أشرع أمامه بعض الأبواب، حاولت أن أضع بعض نقاط الالتقاء والتقارب تحت المجهر، علها تكبر آلاف المرات لتحتل أكبر مساحات حواراتنا ونقاشاتنا التي تحولت لخطوط متوازية طويلة وممتدة لا تلتقي عند أي نقطة ارتكاز ولا تتقاطع عند أي نقاط..
قررت منذ زمن ألا أنافق بوجه أحد، تعلمت ألا أصدر أحكام أحادية الجانب، ألا أطلق التوصيفات المقولبة على أحد لمجرد كلمة أو تصرف قام بهما، قررت أن أستمع للجميع وأحاور الجميع..
اتخذت قراراً أممياً ألا أستخدم الفيتو بحق أحد بعد اليوم
وألا أصدر قرارات دولية تلزم البعض وتغض الطرف عمن هم أقوى من قراراتي السياسية منها والاجتماعية وحتى العاطفية..
تعلمت الإنصات والصمت معاً، قرأت لغة الجسد والعيون حتى لا أحرج أحد وكي أختصر الوقت والمسافة..
رمقني بنظرة استغراب واندهاش، أطال النظر إلي، ضرب يديه ببعضهم، نفخ كثيراً..
وقف وقال لي هل تريدني أن أناقش وأحاور هؤلاء الناس!!
هل تريدني أن أتنازل وأقابلهم!!
هل تقترح على أن أستمع لكلامهم الفارغ؟
إنهم يحاولون أن يجعلوني مثلهم وأن أفكر مثلهم، أنا لا أثق بهم..
وبصراحة أكبر أشعر وكأنك تتحدث مثلهم أيضاً، أم أنك أصبحت منهم فعلاً؟
غادر الطاولة مستنفراً لا يعرف أي طريق سوف يسلك ذهب يميناً ثم عاد يساراً وتابع طريقه..
لم أتبعه ولم أصرخ له ليعود، تأملت البحر طويلاً تتبعت حركات النوارس والمراكب، راقبت عاشقين على الصخور المتاخمة للشاطئ..
وقاطعني صوت يقول هذا هو حساب طاولتك يا أستاذ، آآااه حساب الدعوة التي لبيتها تقصد.

سامر طه