ثقافة البالة

ثقافة البالة…

قريب من بيتنا بحلب كان قبوا في بناية الحكيم الشهيرة - غدًا شهيرًا هو الآخر- لأنه قبو للملابس المستعملة المستوردة من اورباالبالة" وسبب شهرته أن رواده ليسوا من الطبقة المنهكة ولا شديدة الارتفاع يمكن القول أنها الطبقة المتوسطة الأعلى، وذلك بسبب نوعية العرض والبضاعة والسعر. وهي الطبقة التي كانت تشكل غالبية السكان في مدينة الاقتصاد حلب.

عبد وهو اسم المخزن القبو ينتقي بضاعته من افضل الدول ثم اصبح يقوم بفرزها في مناطق جمعها الأوربية ويتعاقد على تصفيات وتخفيضات ويستوردها كبالة  مخفضًا رسومه الى درجة كبيرة ولا يعني ذلك أنه كان يخفض آسعار البيع.

وفي متجره القبو كان يعيد ترتيب القطع كي وتنظيف وعرض وتصنيف لتجد أن لا فرق بينه وبين العزيزية الا بتلك القصاصات القماشية الكثيرة المفصلة عن الماركة والتركيب وتعليمات الغسيل والحرارة التي تميز اي منتج نسيجي أوربي .

عبد لا يتعاطى الثقافة من بابها الأدبي رغم أن الثقافة جزء مكون من أي مسألة تتعلق بجمهور، الأزياء والموضة والعرض والطلب يندرج محتواها على بعد ثقافي.

ما علينا

النموذج الذي قدمه صاحب القبو ضمَّن الثقافة في تعويم البالة ولم يخطر لأحد أن الصورة ستتسع لاحقاً مع ذلك النمو التدريجي لتضمين البالة في تعويم الثقافة، اذ تنحسر القيم المحلية ونكهة الشوارع والحارات أمام عولمة تتميز باكتساح غير مسبوق.

في جانبها الإنساني تأتي العولمة كنموذج لوحدة العالم وانكسار الجدران فيه، وفي جانبها القاتم القائم على مدرج حضاري حاد تتجلى ثقافة القوة ومظهريتها الأكثر قبحا حيث تحتكر العنوان والمتن والحواشي تحت مدلول أنها صالحة للجميع خارج أي بيئة وزمان.

وهماً رددنا أن التقنيات ووسائل التواصل توحد العالم في حين أن انحيازها لقيم المنتجين لا يمنحها البعد الإنساني العادل ، هي حتما لن تكون بالرغم من ديمقراطيتها غير المحدودة تقف بالتساوي مع جميع المتعاملين، هي تخضع للمنتِج وتقدم للمستهلكين فرصة للاستمتاع بالسلعة وفق ثقافة البالة. مكوية وجيدة التفصيل وغزيرة بالتعليمات المتعلقة بالإدارة ولكنها غير بيئية من حيث المكان.

لست متحمسًا للشروال ولا لعقال او عباءة أعتقد أن الزمن يمضي خارج ذلك، القصة أن ثقافة البالة أسرع من بلورة قناعتي بالانتقال بوعي، هي حبل يشدني من الرقبة وأي تلكؤ يريد تلمس الوجهة بعيون مفتوحة يعني الاختناق.

هيئة التحرير