blog-post-1-24

التمكين المرآة التي لا تعكس روحنا

في منتصف 2013 تسلل التمكين إلى مفرداتنا بكل يسر وهدوء ، ككثير من مستوردات مرت هكذا بغفلة وأصبحت تشغلنا كقضايا مصيرية، هي وغيرها من المستوردات صارت تدفعنا للسؤال باستهجان: كيف كنا نعيش قبلها؟!

وتقدمت مفردة التمكين لتحتل مساحة كبيرة في مسودات المشاريع وخطط العمل وأصبحت مضافا إلى الكثير من المضافات إليه كالقول التمكين النفسي والتمكين الاقتصادي والمعرفي والمرأة والطفل والمؤسسات الخ .

 التمكين وربما ليس من تعريف محدد في أغلب المفاهيم الاجتماعية يعني في مضمونه حاجة ماسة لتطوير قطاع تعرض للتهميش أو ربما وضع في ذيل قائمة الأولويات بالرغم من أهميته مما جعله عنصرا ضعيفا في اللوحة المجتمعية العامة وهذا فعلا يشمل قضايا كالمعرفة والاقتصاد والمرأة.

أما نقاش ذلك وفق تحليل الأسباب فلازال القسم الأعظم منه يتم وفق عقلية الاستشراق التي هي بالأساس مُنتِج فكرة التمكين ومصدِّرها الأساسي .

منطق التحليل يفترض تشخيصا للحالات يستدعي تدخلا محسوبا يساهم في تعزيز ايجابيات الحالة وخفض دور عوامل الإنهاك والتثبيط المتراكمة فوقها. وفي كل الحالات تبدو القضية تراوح في إطار التمكين الفردي.

 في لعبة الحصان والعربة التي مرت بأوربا عبر الكثير من التخبط كان لابد من وضع الدولة كضمان ثم فلتنطلق الفردية في رحاب الإبداع والحرية والتفوق وأثناء ذلك يجري تحديث البنى العامة (قانونية وتعليمية وكفاءات) من ضمن تمكين الفئات المهمشة لتكون منخرطة في المجتمع وبنية الدولة التي تحاول جهدها أن تكون حيادية.

بالسؤال عن الواقع المحلي تبدو الخارطة مقلوبة بشكل تام . التمكين الفردي بغياب المؤسسات ينتج بضعة كوادر جيدة وبضعة مدافعين عن حقوق المهمشين وأيضا ديكورات مسرح وكومبارس وحفّاظ للقوانين التي يجب إصدارها محليا، وتغص العربة بهذا الخليط غير المتجانس ولكن الحصان المسكين غير متوفر لجر العربة إلى شط التقدم ، هذا الحصان (الدولة) غير معني بهذه الهيصة الفردية لأنها فعلا تمكينية ولكن على أساس الأفراد وليس المجتمع.

هل يمكن عبر تغيير عشرات من الإفراد وتوسيع دائرة تأثيرهم لتنال مئات آخرين أو عدة آلاف كفيلة بوضع الدولة على محك رعاية الحريات والإبداع والتقدم؟ . سيكون الجواب صعبا بسبب عدم توفر نموذج ناجح من هذا النوع عبر قرن وقليلا من قرننا الحالي .

ما يبدو من تمكين في مناحيه المختلفة يصنع عالما داخليا للأفراد اغترابيا بكل وضوح ، من هنا نجد أن بيئة التمكين تقدم وجوها متمفصلة بازدهار مع البيئة المنتجة، ومع فشل منظومة الدولة المحلية يبدو من الطبيعي أن تتابع مسيرتها بحثا عن تلك البيئة لتكون هجرة أو استثمارا فيها ولو أجرينا مسحا إحصائيا حياديا يمكن لنا دحض أو تثبيت ذلك على الأقل دعونا نتطلع حولنا إلى نزيف الكوادر الممكَّنة لنأخذ لقطة أولية حول القضية .

ماذا إذن هل نرفض العبارة وممارستها والانخراط فيها بانتظار تلمس ملامح الدولة التي نجهل على أي طاولة تفاوض ستجلس؟ بالتأكيد هذا لا يمكن أن يكون.

 إن إنجاز تمكين خارج الاستشراق وخارج نمطية التفكير الشرقي مهمة شاقة وضرورية لأن بعض ملامحها ستكون ضمانات أن يكون التهميش الطويل الذي نال الفئات الضعيفة مأخوذا بعين الاعتبار في بيئته المحلية وقادر على لم طاقات مختلفة كي يصبح من الماضي وهذا مأمول كلما كان نموذج الدولة المقبلة أكثر عصرية وعقلانية وحتما أكثر عدالة وديمقراطية.

Comments are closed.