54198d48f2f2d

النموذج العام للوطن في ادلب

تقدم التطورات الأخيرة في ادلب نموذجا في الوضع السوري العام بحيث تصلح لفهم توازنات القوى المتصارعة، وتوضح خارطة التحالفات وعلاقة كل ذلك بعامل الزمن الذي يمكن أن يكون مربحا مرة ومهلكاً أخرى.

المحافظة وقد لمت أركانها مجموعات من مختلف المناطق معارضة ومتمردة ومهجرة قسرا ونازحة يمكن رؤيتها كسوريا المأزومة تاريخيا والخاضعة لذهنية العسكر في الحلول وفي الرد على الحلول.

فالبلاد التي استقلت شكلا ولم تتمكن طوال عقود من إرساء الاستقلال مضمونا هي كحال ادلب التي استقلت شكلا ولم تتمكن قوى “التحرير” من دعم أي بنى إدارية ناضجة يمكنها استثمار ذلك الاستقلال في تقديم النموذج الأعلى للإدارة.

والتناقضات التي تراكمت منذ الاستقلال ضمن ثنائيات مريضة مؤجلة الحل (مناطقية وطائفية وعرقية وقومية وفكرية) أبقت باب الصراعات مفتوحا على مصراعيه بدل بوابة التضامن السكاني على أسس المواطنة، وبقيت علاقة السكان في سوريا الأم تضبطها البنى العسكرية والقبضة الأمنية ولا أعتقد أن واقع ادلب (رغم كل التظاهرات الأخيرة) يقدم تخليا في ذهنية العسكر حول منح السكان مساحات تعبير حرة.

ثالثا قضايا السكان كانت ولا تزال في البلاد مسائل في ذيل قوائم الأولويات سواء بسبب عبارات التصدي للمؤامرة الصهيونية الرجعية الامبريالية أو في وعود تغيير لم تتحقق يوما لنجد بيانات التعليم والصحة والعمل والقيمة الإنسانية تستمر في الانحدار وفي المقابل تقدم ادلب أداء غير بعيد بسبب الحصار والعمليات العسكرية والضغط السكاني.

أما من حيث بنى العمل المدني فقد ظهرت في المحافظة الكثير من أشكال وتعابير ناضجة عن مجموعات مدنية متنوعة عملت جاهدة على تثبيت فكرة الإدارة المدنية في بيئات عمل محكومة بالطوارئ التي تتواصل من سيء الى أسوأ ولكنها عبر شراكة معقولة مع الناس قاومت الى اليوم الفعل المبيت لدفعها للخلف خارج المشهد العام، وربما البلاد كلها اليوم في صورة مماثلة تبحث المجموعات المدنية فيها عما يثبت خطاها في مرحلة الاهتزاز السياسي الممهد للحل والمهدد أيضا لإقصائها من جوهر الحل.

على المستوى السياسي ليس من جهود حزبية واضحة على الأرض، تغيب المؤسسات في اعلان غير رسمي عن تفكك البنى الحزبية التي أفقدتها سنوات الاستبداد رصيدها الشعبي داخل ادلب وعبر مساحة البلاد كلها، وكأن البلاد موبوءة بكراهية الفعل السياسي في زمن هي أحوج ما تكون إليه.

وأخيرا هناك بازارات عدة حول ادلب، بعضها محلي إقليمي، وبعضها إقليمي دولي، وبعضها يتحضر كمشارك في الشوط الأخير من هذا البازار، لكن ادلب ساهرة تنتظر فرجا روحيا أو سماوياً كي يغفوا الأولاد على أمل الاستيقاظ بلا رصاص. كحال جميع أولاد البلاد الذين يسمعون أن مؤتمرا عقد لأجلهم وآخر غاب عنه مشاركون لأجلهم وآخر لمَّا يعقد بعد.

هي ذي ادلب حين يعز الحوار الوطني وتصبح أذان المتصارعين موصولة للخارج وأيديهم عابثة في الداخل وحين تتوج سلطات الاستبداد خطابها الحماسي بالدفاع عن الناس بالتضحية بهم ثم تهنئة ذويهم بهذا الاستشهاد البطولي.

ادلب سوريا المصغرة كلها في جغرافيا باتت تربتها أكثر ندى عبر الأحمر المراق والأبطال الحقيقيون هم وحدهم من يحفظون حق الحياة، ولن تعدم البلاد هؤلاء أبدا.

 

ادلب سوريا المصغرة كلها في جغرافيا باتت تربتها أكثر ندى عبر الأحمر المراق
والأبطال الحقيقيون هم وحدهم من يحفظون حق الحياة، ولن تعدم البلاد هؤلاء أبدا.

Comments are closed.